
السفير 24 – طامو مفضال
في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، أضحت التنمية الترابية المندمجة خيارا استراتيجيا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجال، من خلال الانتقال من منطق التدخلات القطاعية المتفرقة إلى منطق السياسات العمومية المندمجة، القادرة على تحقيق العدالة المجالية وتعزيز التنمية المستدامة. ويجد هذا التوجه سنده في دستور سنة 2011، ولا سيما الفصل 136، الذي جعل من الجهوية المتقدمة ركيزة للتنظيم الترابي، قائمة على التدبير الحر والتعاون والتضامن، بما يضمن مشاركة مختلف الفاعلين في تدبير الشأن الترابي.
ولم تعد التنمية الترابية تقتصر على إنجاز مشاريع أو توفير البنيات التحتية، بل أصبحت مقاربة شمولية تراهن على تثمين المؤهلات المحلية، وتعبئة الموارد، وتحقيق الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية، بما يجعل المجال الترابي فاعلا في إنتاج التنمية وليس مجرد فضاء لتنزيل البرامج الحكومية. وفي هذا السياق، منح القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات لبرنامج التنمية الجهوية مكانة محورية باعتباره الوثيقة المرجعية لتخطيط المشاريع وتحديد الأولويات وفق رؤية استراتيجية تستجيب لخصوصيات كل جهة.
وشكل قانون المالية لسنة 2026 محطة جديدة في مسار ترسيخ التنمية الترابية المندمجة، بعدما جعلها ضمن أولوياته الاستراتيجية، من خلال تعبئة ما يقارب 380 مليار درهم للاستثمار العمومي، وتوجيهها نحو إنجاز مشاريع البنيات التحتية الكبرى، وتطوير شبكات النقل والطاقات المتجددة والموانئ والمطارات، فضلا عن تمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش على مسافة 450 كيلومترا، بما يعزز جاذبية المجالات الترابية ويرفع من تنافسيتها الاقتصادية.
ولم يقتصر هذا التوجه على الاستثمار في البنيات التحتية، بل شمل أيضا البعد الاجتماعي باعتباره ركيزة أساسية للتنمية. فقد خصص قانون المالية 140 مليار درهم لقطاعي الصحة والتعليم، مع إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي، إضافة إلى تعبئة 16.4 مليار درهم لدعم الأمن المائي وتسريع مشاريع الماء الصالح للشرب، إلى جانب إحداث صندوق التنمية الترابية المندمجة وتخصيص 20 مليار درهم لتمويل البرامج ذات الأولوية والأثر الاجتماعي، في خطوة تعكس إرادة الدولة في ربط الاستثمار العمومي بتحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية.
ورغم هذه الدينامية، فإن نجاح برنامج التنمية الترابية المندمجة لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما بمدى قدرة مختلف الفاعلين على تنزيلها وفق مبادئ الحكامة الجيدة والالتقائية والتعاقد، وتعزيز اللاتمركز الإداري، وتمكين الجماعات الترابية من الوسائل القانونية والمالية والبشرية اللازمة للاضطلاع باختصاصاتها. كما يظل تطوير آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة شرطا أساسيا لضمان نجاعة البرامج وتحقيق أثرها التنموي.
وأمام هذه المعطيات، يظل التساؤل الجوهري قائما: هل سينجح المغرب في كسب رهان التنمية الترابية المندمجة وتحويل الاستثمار العمومي إلى تنمية يلمس المواطن آثارها على أرض الواقع؟
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في إطلاق برامج جديدة فحسب، بل في بناء نموذج ترابي قادر على تحويل الاستثمار العمومي إلى تنمية ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية. فالتنمية الترابية المندمجة ليست مشروعا ظرفيا، وإنما ورشا إصلاحيا طويل الأمد، يهدف إلى جعل المجال فضاء للإنتاج والابتكار والتنافسية، وتحقيق تنمية متوازنة تكرس العدالة المجالية، وتعزز تماسك الدولة، وتدعم مسار النموذج التنموي الجديد، بما يؤهل المغرب لترسيخ مكانته كدولة صاعدة قادرة على مواجهة رهانات المستقبل بثقة وفعالية.



