في الواجهةمجتمع

قيلش.. من أستاذ جامعي إلى مهندس شبكة فساد أكاديمي تهز الثقة في الشهادات الجامعية بالمغرب

قيلش.. من أستاذ جامعي إلى مهندس شبكة فساد أكاديمي تهز الثقة في الشهادات الجامعية بالمغرب

le patrice

السفير 24

في واحدة من أخطر قضايا الفساد التي تضرب التعليم العالي بالمغرب، تتكشف يوماً بعد آخر تفاصيل صادمة عن تورط أستاذ التعليم العالي أحمد قيلش، منسق ماستر “المنظومة الجنائية والحكامة الأمنية” بكلية الحقوق التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، في إدارة شبكة وصفت بأنها “مافيا أكاديمية”، تخصصت في التلاعب بولوج سلك الماستر والدكتوراه، وبيع الشهادات الجامعية مقابل المال أو النفوذ أو الولاءات العائلية.

القضية التي تفجرت إعلامياً وقانونياً بعد إيداع قيلش السجن المحلي الأوداية بمراكش، بأمر من قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال، لم تنطلق فصولها من أروقة الجامعة فقط، بل بدأت أولى خيوطها تتضح سنة 2021، عقب اعتقال موثق بمدينة الدار البيضاء في قضية اختلاس ودائع زبائنه بمبالغ ضخمة تُقدَّر بالمليارات. وخلال التحقيق معه، كشف الموثق أنه حصل على شهادة ماستر من قيلش مقابل مبلغ 25 مليون سنتيم، دون أن يحضر دروسًا أو يجتاز مباراة لولوج التكوين، وهو ما أعاد إلى الواجهة أسئلة حارقة حول مصداقية الشهادات التي تمنحها بعض التكوينات الجامعية بالمغرب.

وبناء على هذا الاعتراف، باشرت الجهات المختصة تحريات دقيقة قادت إلى تفكيك شبكة مُحكمة التنظيم، تورط فيها عدد من الأسماء التي استفادت من امتيازات جامعية خارج القانون، بل شملت التلاعبات حتى التوظيف داخل الكلية ذاتها، في تجاوز خطير لمبدأ الاستحقاق والشفافية.

ولم يكن قيلش وحده في هذا المسار، فقد كشفت المعطيات عن تورطه في ملفات فساد أخرى امتدت على مدى سنوات، بين 2015 و2021، وهي الفترة التي ترأس فيها عمر حلي جامعة ابن زهر، والذي تشير مصادر مطلعة إلى أنه كان يتستر على تجاوزات الأستاذ، بل وفر له غطاءً مؤسساتياً يسمح له بالتمادي في توظيف علاقاته، داخل الجامعة وخارجها.

ومن بين أبرز الأسماء التي ارتبطت بشبكة العلاقات المحيطة بقيلش، تبرز جميلة العماري، مديرة الموارد البشرية سابقاً بوزارة التعليم العالي، والتي ظلت تحضر بانتظام إلى مختلف الأنشطة التي يشرف عليها قيلش، رغم موقعها الحساس داخل الإدارة المركزية. وتربط الطرفين علاقة صداقة وثيقة، بحسب مصادر جامعية، وقد استمرت هذه الصلة حتى بعد إعفاء العماري من منصبها من طرف الوزير الأسبق سعيد أمزازي، وعودتها إلى التدريس بكلية الحقوق بطنجة. هذا التقاطع بين النفوذ الإداري والمصالح الجامعية يُسهم في تفسير الحصانة غير المعلنة التي تمتّع بها قيلش لسنوات.

قيلش، الذي بدأ مسيرته موظفًا جماعيًا بالدار البيضاء قبل أن يُعين أستاذا بآسفي، ثم يُطرد منها على خلفية شكايات بالتحرش واستغلال السلطة، لم يجد صعوبة في إعادة التموقع داخل أكادير، حيث أسّس ماسترًا تحول إلى بوابة لتوزيع الامتيازات على المقربين، سواء من داخل الوسط القضائي أو الأمني أو السياسي، مقابل علاقات أو أموال، أو حتى صفقات تبادل بين أساتذة، كتسجيل زوجة زميله في ماستره، مقابل تسجيل زوجته في ماستر هذا الأخير.

وقد أظهرت الوثائق، التي استندت إليها التحقيقات، تسجيل عشرات الأسماء دون احترام للمعايير البيداغوجية، بعضها لا علاقة له بالتكوين الأكاديمي، وبعضها لم تطأ قدماه قاعات الدرس، ومع ذلك حصل على شهادات عليا تحمل ختم المؤسسة الجامعية.

توقيف أحمد قيلش، رفقة زوجته المحامية وعدد من الأسماء المنتسبة لمجالات القضاء والمحاماة والإدارة، أثار ردود فعل واسعة داخل الأوساط الجامعية والحقوقية، حيث اعتُبر هذا التطور مؤشراً صريحاً على وجود اختلالات عميقة تتجاوز الأشخاص إلى بنية النظام الجامعي نفسه، الذي يعاني من غياب الرقابة الجادة وتفشي ممارسات غير نزيهة في بعض مفاصله.

وإذ لا تزال التحقيقات جارية لكشف كافة تفاصيل الملف، فإن القضية برمتها تكشف عن واقع مقلق تعيشه الجامعة المغربية، من حيث الحكامة والشفافية. فليست الفضيحة مجرد خرق معزول للقانون، بل تجسيد لثقافة محاباة وتجارية خطيرة تتسلل إلى الحقل الأكاديمي، ما يفرض على الجهات الوصية مواجهة مسؤولياتها كاملة لإعادة الاعتبار للمصداقية العلمية، وضمان ألا تتحول الشهادات الجامعية إلى امتيازات تُمنح لمن يملك النفوذ لا لمن يستحقها.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى