
السفير 24
لم تعد ظاهرة بعض ممارسي الرقية الشرعية مجرد موضوع عابر يثار بين الأسر والمجالس، بل أصبحت، في بعض الحالات، تستحق وقفة جادة أمام ما يثار حولها من أسئلة بشأن استغلال معاناة أشخاص يعيشون أوضاعا نفسية واجتماعية صعبة، وتحويل آلامهم ومخاوفهم إلى مصدر للثراء السريع.
ففي الوقت الذي يلجأ فيه أشخاص إلى الرقية بحثا عن الطمأنينة والأمل في تجاوز معاناتهم، تظهر حالات تثير الكثير من علامات الاستفهام حول ممارسات بعض الرقاة الذين تمكنوا، في ظرف وجيز، من الانتقال من ممارسة تبدو بسيطة إلى امتلاك مظاهر ثراء لافتة، من عقارات وسيارات فارهة ومشاريع وممتلكات مختلفة.
والسؤال هنا لا يتعلق بالرقية الشرعية باعتبارها ممارسة دينية، وإنما بتحويلها إلى نشاط تجاري يدر مبالغ مالية مهمة، خصوصا عندما تصبح معاناة المريض مدخلا لرفع الأسعار واستنزاف جيبه، في ظل غياب الوضوح حول طبيعة بعض هذه الأنشطة ومداخيلها.
وتتحدث شهادات ومعطيات متداولة عن بعض الرقاة الذين تبدأ جلساتهم بمبالغ تصل إلى 1000 درهم أو أكثر، بينما تختلف الأسعار بحسب طبيعة الجلسة ومدتها وما يقدم خلالها. والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الحالات، وفق ما يتم تداوله، تستهدف أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج أو بعض الأجانب، حيث يتم التعامل بعملات مختلفة، من الأورو إلى الدرهم الإماراتي والريال السعودي، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حجم المداخيل المحققة وطبيعة النشاط المالي المرتبط بها.
فإذا كانت جلسة واحدة تدر على صاحبها مئات أو آلاف الدراهم، فكيف يكون الحال عندما يتعلق الأمر بعشرات أو مئات الزبائن خلال الشهر؟ وهل يتم التصريح بكل هذه المداخيل للجهات المختصة؟ وهل تؤدى عنها الضرائب المستحقة؟ وهل تخضع التدفقات المالية المتكررة، متى استوفت الشروط القانونية لذلك، للمراقبة والتدقيق وفق القوانين الجاري بها العمل؟
والأخطر من الجانب المالي هو الجانب الإنساني، خصوصا عندما يتحول الشخص الذي يعاني من وضع نفسي أو اجتماعي هش إلى ما يشبه “زبونا دائما”، بحيث يتم إقناعه بأن مشكلته مرتبطة بالسحر أو العين أو المس أو غير ذلك، ثم يصبح مطالبا بجلسات متكررة ومصاريف متواصلة.
فالشخص الذي يعيش حالة خوف أو قلق قد لا يكون قادرا دائما على تقييم الأمور بشكل عقلاني، وقد يدفع مبالغ كبيرة أملا في الخلاص من معاناته. وإذا تحولت هذه المعاناة إلى وسيلة لاستنزافه ماليا، فإن الأمر يستوجب التحقق من مدى احترام القوانين، خصوصا إذا ارتبط الأمر بادعاءات علاجية أو ممارسات قد تعرض الأشخاص للخطر.
كما أن بعض الحالات قد تكون في الأصل مرتبطة بمشاكل صحية أو نفسية تحتاج إلى تشخيص وعلاج لدى مختصين، وهو ما يجعل من الضروري عدم تقديم الرقية باعتبارها بديلا عن الطب، أو استغلال معاناة المرضى لإبعادهم عن الأطباء والعلاجات المناسبة.
وفي المقابل، تثير مظاهر الثراء التي تظهر على بعض الرقاة تساؤلات أخرى لا تقل أهمية. فحين ينتقل شخص، خلال فترة قصيرة، من وضع مالي عادي إلى امتلاك عقارات وسيارات فارهة ومشاريع وممتلكات متعددة، فإن ذلك لا يشكل في حد ذاته دليلا على ارتكاب أي مخالفة، لكنه يصبح، متى اقترن بمداخيل مالية كبيرة وغير واضحة المصدر، موضوعا مشروعا للتساؤل والتدقيق من الجهات المختصة.
وهنا تبرز مسؤولية المديرية العامة للضرائب والجهات المعنية بالمراقبة المالية، ليس لاستهداف الرقاة دون غيرهم، وإنما للتأكد من أن كل نشاط مدر للدخل يخضع للقواعد الجبائية المعمول بها، وأن المداخيل المصرح بها تتناسب مع طبيعة وحجم النشاط، متى كانت الشروط القانونية للمراقبة متوفرة.
كما أن تعدد التحويلات المالية أو وجود تدفقات مالية مهمة، متى وجدت مؤشرات تستوجب ذلك، يطرح بدوره سؤالا حول آليات التتبع المالي ومراقبة العمليات التي قد تستدعي التدقيق، وفق المساطر القانونية، دون أن يعني ذلك أن الثراء وحده دليل على وجود مخالفة أو جريمة.
إن الرقية الشرعية، بالنسبة لمن يؤمن بها، مرتبطة بممارسات دينية معروفة، لكن تحويلها إلى سوق تجارية مفتوحة بلا ضوابط قد يخلق مساحة لاستغلال الخوف والمرض والحاجة. فليس من المقبول أن يصبح المريض مجرد مصدر للدخل، ولا أن تتحول معاناة الأسر إلى فاتورة مفتوحة، ولا أن يتم استغلال ثقة الناس لتحقيق ثروات ضخمة بعيدا عن الشفافية المالية والقانونية.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس محاربة الرقية الشرعية أو المساس بالممارسات الدينية، وإنما فتح نقاش مسؤول حول الاستغلال التجاري لمعاناة المرضى، وحول مدى احترام بعض الممارسين للقوانين الجبائية والمالية، وحول مصادر الثروات والممتلكات حين تبرز مؤشرات تستوجب التحقق.
وفي هذا السياق، تؤكد “السفير 24” أنها ستتطرق قريبا إلى ملف بعض ممارسي الرقية الذين تحيط بثرواتهم وممتلكاتهم علامات استفهام، وستعمل، في إطار مهني ومسؤول، على البحث في مصادر الثروة والممتلكات والعقارات والسيارات وغيرها من مظاهر الثراء، بالاعتماد على المعطيات والوثائق القابلة للتحقق، مع احترام حق كل شخص في الرد والتوضيح.
فالموضوع، بالنسبة لـ”السفير 24″، لا يتعلق بالتشهير أو إصدار الأحكام المسبقة، وإنما بطرح أسئلة مشروعة تهم الرأي العام، والبحث عن أجوبة موثقة، وترك الكلمة الأخيرة للقانون والجهات المختصة.
يتبع..



