في الواجهةكلمة السفير

أحمد الشرعي.. حين يستيقظ حراس الحقيقة القديمة

أحمد الشرعي.. حين يستيقظ حراس الحقيقة القديمة

السفير 24 – حسن راقي

كلما ظهر رأي حداثي واضح في المجال العام، خرجت بعض الاصوات لتتعامل معه كما لو أن المغرب اكتشف فجأة خطرا جديدا يهدد المجتمع. والحقيقة أن الخطر ليس في رأي أحمد الشرعي، بل في العقلية التي تريد أن تجعل من الرأي المختلف حالة تستوجب التعبئة والمحاصرة.

الشرعي لم يعلن انقلابا على الدولة، ولم يدع إلى إلغاء الخصوم، ولم يطالب بمنع أحد من الكلام. لقد قال إنه يختار الحداثة، وأعلن موقفا سياسيا واضحا، وتحدث عن المرأة ودورها في قيادة الدولة، وهي قضايا يفترض أن تكون في صميم النقاش الديمقراطي.

لكن بعض الاصوات لا تريد نقاشا. تريد طاعة فكرية.

تريد أن تعرف مسبقا من يقف مع من، ومن يحق له الكلام، ومن ينبغي أن يصمت، ومن يمكن أن يوصف بالوطني، ومن يمكن أن يرمى خارج الدائرة. وهذه ليست لغة الحداثة، بل لغة الوصاية.

لقد عرف المغرب في مراحل سابقة معنى الرقابة السياسية والإعلامية، وعرف أيضا كيف يمكن أن تتحول الدولة عندما تكون أدوات السلطة أقوى من حق المواطن في التعبير. لذلك فإن إعادة إنتاج ثقافة المصادرة داخل المجتمع، حتى من دون أدوات الدولة، ينبغي أن تكون موضع رفض واضح.

لا يعني هذا أن كل منتقد للشرعي ينتمي إلى مدرسة القمع، ولا أن كل اختلاف معه هو امتداد للماضي. لكن من حقنا أن نسأل عن منطق الخطاب: هل يريد أصحابه نقاشا مفتوحا، أم يريدون إلغاء رأي لا يروق لهم؟

الجواب يظهر عندما نقرأ طريقة الهجوم. فإذا كانت الحجة هي أن الشرعي مخطئ، فأين تفصيل الخطأ؟ وإذا كان المشروع الذي دعمه غير صالح، فأين البديل؟ وإذا كانت رؤيته للحداثة مضللة، فأين الرؤية الأخرى؟

أما الشتائم والتخوين ومحاكمات النوايا فلن تجيب عن أي سؤال.

وفي قضية المرأة، يبدو أن بعض الاصوات ما زالت تحمل تصورا شديد المحافظة عن موقعها السياسي. فالمرأة بالنسبة إلى الدولة الحديثة مواطنة كاملة الحقوق والواجبات، والوظائف السياسية لا ينبغي أن تحددها قواعد اجتماعية قديمة، وإنما الكفاءة والبرنامج والاختيار الشعبي والمؤسسات.

من حق أي شخص أن يعارض مرشحة معينة، لكن ليس من حقه أن يجعل كونها امرأة سببا كافيا للرفض. وإذا كان أحمد الشرعي قد فتح هذا النقاش، فإن مهاجميه مدعوون إلى تقديم حججهم بدلا من مهاجمة الرجل الذي طرح السؤال.

ثم هناك محاولة استخدام العلاقات الخارجية كأداة لتصفية الحسابات. وهنا يجب أن يكون المعيار واحدا: من لديه وثيقة فليعرضها، ومن لديه واقعة فليثبتها، ومن لديه علاقة موثقة فليشرح طبيعتها، أما إطلاق الشبهات على الناس ثم مطالبتهم بإثبات براءتهم فهو قلب لمنطق العدالة ولمنطق الصحافة معا.

لا ينبغي أن يتحول المغرب إلى بلد يحتاج فيه الصحافي إلى الدفاع عن وطنيته كلما أعلن موقفا. الوطنية ليست ملكية خاصة، والحداثة ليست تهمة، والاختلاف ليس خيانة.

أحمد الشرعي يمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب. لكن حقه في الكلام لا يتوقف على نتيجة النقاش، وإلا أصبحنا أمام ديمقراطية تمنح الحرية بأثر رجعي، أي بعد أن نتأكد أن الرأي كان يعجبنا.

وهذا ليس مغربا حديثا.

 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى