
السفير 24
خلال الأيام الثلاثة الماضية، خفّت وتيرة “المعارك الكروية” مؤقتًا، مع دخول البطولة مرحلة الترقب. المنتخبات المتأهلة إلى ربع النهائي اختارت الهدوء والتركيز، وانكفأت على التحضير التقني والتكتيكي، فيما غادرت المنتخبات المقصاة أرض المغرب وهي تحمل في ذاكرتها صورًا إيجابية عن بلد الاستضافة وشعبه.
وكما جرت العادة، استقبل المغرب عشرات الآلاف من المشجعين القادمين من مختلف أنحاء القارة الإفريقية، دون ضجيج أو استعراض، في أجواء يسودها الأمن والطمأنينة. هنا، يجد الزائر نفسه أمام نموذج فريد يجمع بين بنية تحتية حديثة تذكّر بأوروبا، وروح إفريقية أصيلة قوامها الكرم والتسامح وعمق التاريخ والثقافة. وكأن كأس إفريقيا أعادت التأكيد على الدور الجامع للمغرب داخل محيطه القاري، في لحظة تزامنت رمزيًا مع اكتشافات علمية حديثة تعزز البعد الإفريقي والمغربي للإنسان.
في هدوء مماثل، راكم المغرب ملايين المشاهدات الرقمية، وحصد إشادات دولية واسعة بحسن التنظيم وجودة الاستقبال، ليؤكد أن الرهان لم يكن رياضيًا فقط، بل حضاريًا وإعلاميًا بامتياز.
في المقابل، بدت بعض الأطراف الإقليمية في وضع مرتبك، مع توالي مؤشرات دبلوماسية وأمنية عكست عزلة متنامية، مقابل حضور مغربي وازن على الساحة الدولية. من شراكات أمنية رفيعة المستوى، إلى لقاءات ثلاثية وتكريمات رمزية تعكس عمق العلاقات التاريخية للمملكة مع قوى دولية كبرى، اتضح أن “الكان” تجاوز حدود الملاعب ليصبح منصة لإبراز مكانة المغرب الاستراتيجية.
وعلى المستوى الأمني، أثبتت الأجهزة المغربية مرة أخرى قدرتها على إدارة الحشود والتعامل مع مختلف السلوكيات بهدوء وحزم متوازن، دون انزلاق أو توتر. حضور أمني ذكي، ثابت ومتحرك، يراقب ويضبط الإيقاع، ويمنع أي محاولة للعبث أو الفوضى، في مشهد يعكس احترافية عالية وتجربة متراكمة.
بعيدًا عن الحسابات السياسية، برز وجه إنساني مؤثر للبطولة، حظي بتفاعل واسع، من خلال مبادرات رمزية وتكريمات ذات دلالة عميقة، أبرزت أن كرة القدم يمكن أن تكون جسرًا للقيم والتضامن، لا مجرد تنافس رياضي. لحظات ستظل راسخة في ذاكرة الأطفال والعائلات، ورسائل صامتة عن معنى الرياضة حين تقترن بالإنسانية.
ومع اقتراب مواعيد ربع النهائي، يواصل المغرب تثبيت صورته كبلد قادر على تحويل التحديات إلى فرص، والرهانات الرياضية إلى مكاسب رمزية واستراتيجية. دون نفط أو غاز، يراكم حضوره بثقة، معتمدًا على خبرة مؤسساته، وذكاء تدبيره، وما بات يُعرف اليوم بـ“الاستثناء المغربي” في زمن التحولات الكبرى.



