
السفير 24
أكد الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن المنظومة الأمنية المغربية شهدت، خلال السنوات الـ27 الماضية، تحولاً نوعياً وعميقاً تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مبرزاً أنها انتقلت من مقاربة تقليدية تعتمد على تدبير الأزمات ورد الفعل إلى منظومة حديثة ترتكز على الاستباق والاحترافية والرقمنة، بما جعلها ركيزة أساسية في تعزيز استقرار المملكة وتحظى بتقدير متزايد على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأوضح الطيار أن هذا التحول جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من تحديث المؤسسة الأمنية خياراً أساسياً لمواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، سواء من حيث طبيعة التهديدات الأمنية أو التطور التكنولوجي، مشيراً إلى أن المغرب أعاد هيكلة منظومته الأمنية عبر إحداث مؤسسات متخصصة، من بينها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، إلى جانب تحديث المديرية العامة للأمن الوطني وتعزيز التنسيق العملياتي والاستخباراتي مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بما أسهم في بناء منظومة أمنية متكاملة قادرة على مواجهة مختلف التحديات.
وأضاف أن التحول الرقمي شكل أحد أبرز مرتكزات هذا الورش الإصلاحي، من خلال رقمنة الخدمات والمساطر الإدارية، وتطوير الأنظمة المعلوماتية الخاصة بالمصالح الأمنية، وإطلاق الجيل الجديد من البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، فضلاً عن إحداث وحدات متخصصة في مكافحة الجريمة السيبرانية والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وكاميرات المراقبة الذكية لتعزيز الأمن ورفع سرعة وفعالية التدخلات.
وأشار الباحث إلى أن المقاربة الأمنية المغربية أصبحت مرجعاً في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، بعدما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك مئات الخلايا الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، مبرزاً أن هذه النتائج تعكس فعالية العمل الاستخباراتي ونجاعة المقاربة الاستباقية، إلى جانب برامج إعادة التأهيل الفكري والاجتماعي، وتكثيف الجهود لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات وتعزيز مراقبة الحدود باستعمال وسائل تقنية متطورة.
وأكد أن مسار التحديث لم يقتصر على الجانب التقني، بل شمل أيضاً تطوير العقيدة الأمنية، القائمة على الحكامة الأمنية واحترام حقوق الإنسان وترسيخ مفهوم الشرطة المواطنة، من خلال تحديث منظومة التكوين، واعتماد الرقمنة في مباريات التوظيف، والانفتاح على المواطنين عبر المنصات الرقمية وتنظيم أيام الأبواب المفتوحة، وهو ما ساهم في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
وعلى المستوى الدولي، اعتبر الطيار أن المغرب أصبح شريكاً استراتيجياً في منظومة الأمن العالمي بفضل خبرته الاستخباراتية والميدانية، مشيراً إلى أن المصالح الأمنية المغربية ساهمت خلال السنوات الأخيرة في تزويد عدد من الدول الأوروبية والإفريقية بمعلومات استخباراتية دقيقة مكنت من إحباط هجمات إرهابية، كما شكل انتخاب المملكة لرئاسة الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الإنتربول” واحتضان مراكش لأشغالها سنة 2025 اعترافاً دولياً بالمكانة التي بات يحتلها المغرب في مجال الأمن والتعاون الشرطي.
وأوضح أن المقارنة بين واقع المؤسسة الأمنية اليوم وما كانت عليه قبل أكثر من ربع قرن تعكس حجم التطور الذي عرفته، حيث انتقلت من الاعتماد على الوسائل التقليدية والوثائق الورقية إلى منظومة رقمية متقدمة تعتمد على التحليل الاستباقي وتوظيف التكنولوجيا في اتخاذ القرار الأمني، مع تعزيز الانفتاح والتواصل مع المواطنين دون التفريط في الصرامة اللازمة لحماية الأمن العام.
وفي ختام تصريحه، شدد الدكتور محمد الطيار على أن الحفاظ على هذه المكتسبات يقتضي مواصلة الاستثمار في تحديث المنظومة الأمنية، لمواجهة التحديات المرتبطة بالحروب السيبرانية، واستعمال التنظيمات الإجرامية والإرهابية لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، فضلاً عن تأمين الحدود والاستعداد للتظاهرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها نهائيات كأس العالم 2030، مؤكداً أن التجربة الأمنية المغربية أصبحت نموذجاً يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والاحترافية والتطور التكنولوجي واحترام الحقوق والحريات، بما يعزز مكانة المملكة كواحدة من أكثر الدول استقراراً وأمناً في محيطها الإقليمي.



