
السفير 24- عزيز رباح
الجزء الأول : الإنجازات المكتسبات الهيكلية والنوعية للاقتصاد الوطني
يشهد الاقتصاد الوطني اليوم منعطفاً استراتيجياً حاسماً يفرض الانتقال السلس والثابت من منطق “اقتصاد التجميع” إلى أفق “السيادة الذكية”. إن بناء اقتصاد سيادي ومناعي لا يُقاس بحجم الاستثمارات العابرة وحدها، بل بقدرتها الميدانية والمستدامة على خلق القيمة المضافة، وتقليص الفوارق المجالية، ووضع الإنتاج والمجال في صلب المعادلة التنموية.
ولتحقيق هذا الإقلاع المنشود، تقف المملكة على رصيد صلب من المكتسبات الهيكلية المستمدة من تقارير المؤسسات الدولية والوطنية المرجعية — وفي طليعتها التقرير السنوي لبنك المغرب — تكاملاً مع وعي استراتيجي عميق بالتحديات البنيوية التي يستوجب رفعها عبر محاور كبرى متكاملة تشمل السيادة، التنافسية، العدالة الاقتصادية، والحكامة.
ويستند مسار الإقلاع الاقتصادي للمملكة إلى قراءة موضوعية للتقارير الاستراتيجية الدولية والوطنية الوازنة؛ بدءاً بتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مروراً بتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمندوبية السامية للمخططات، وصولاً إلى التقرير السنوي لبنك المغرب. وتُبرز هذه التقارير أبرز معالم المكتسبات والمنجزات المحققة من خلال تسلسل مترابط ومنتظم وفق المؤشرات التالية:
– المناعة والقدرة على الصمود باكتساب النسيج الاقتصادي الوطني مرونة هيكلية عالية مكنته من امتصاص الصدمات الخارجية، مع الحرص المحكم على صيانة استقرار التوازنات الكبرى والتحكم بالتنويع في تموين السوق الوطني ومدخلات الإنتاج.
– متانة الحسابات الخارجية بتعزيز استقرار ومناعتها أمام الصدمات الدولية والمناخية بفضل تنويع مصادر التدفقات المالية، والتعويل على القطاعات الواعدة ومداخيل مغاربة العالم، مما ضمن تغطية آمنة ومستقرة للواردات الوطنية رغم ارتفاع التكاليف.
– بناء المنظومات الصناعية الرائدة وترسيخ “نظم بيئية صناعية” متكاملة ومتطورة (مثل قطاعات السيارات، الطيران، والطاقة الخضراء) لتغدو قاطرة حقيقية للاقتصاد الوطني ورافعة أساسية لتطوير الكفاءات والمهارات وتوفير فرص العمل النوعية.
– توطين التكنولوجيا الذكية والمستقبلية باستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة نوعية تستهدف نقل وتوطين التكنولوجيا المتقدمة، لا سيما في الصناعات الإلكترونية، الرقائق الدقيقة، والصناعات الطاقية الحديثة واقتصاد المعرفة.
– ترسيخ السيادة اللوجستية بتراكم الاستثمارات العمومية في إنجاز البنيات التحتية الكبرى كالموانئ والربط السككي والطرقي والجوي لتهيئة المجال لدعم أسس السيادة الاقتصادية المستقلة.
– الرفع من وتيرة الاستثمارات الطاقية النظيفة كالطاقات الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، وتطوير الشبكة الكهربائية وتمكين الإنتاج الوطني بطاقة نظيفة وبكلفة تنافسية.
– الاستثمار في الأمن المائي بالاستثمارات الكبرى لمواجهة الإجهاد المناخي عبر تسريع إنجاز السدود الكبرى، محطات تحلية المياه، ومشاريع الربط المائي، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لاستدامة الأنشطة الفلاحية والصناعية والإنتاجية.
– تطوير منظومة الحكامة والإدارة بالشروع في مراجعات متواترة لمنظومة الحكامة الاقتصادية للتقليل من العوائق والنقائص والاختلالات، ولا سيما عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتجويد مساطر المواكبة والتدبير لتعزيز ثقة الفاعلين.
– تصاعد تدريجي لمنظومة التحفيز الاستثمار للمشاريع الوطنية والدولية للرفع من جاذبية وتنافسية الاقتصاد الوطني، مع توفير آليات الدعم والتحفيزات المالية والضريبية الداعمة للنسيج الإنتاجي والمقاولاتي.
– فك التمركز الاقتصادي والمجالي والانتقال التدريجي من التركز الاقتصادي في الأقطاب التقليدية (المحور الرابط بين الدار البيضاء، القنيطرة، وطنجة) نحو تنويع وخلق أقطاب جهوية منتجة ومتخصصة تدعم التوازن المجالي.
– تطوير اقتصاد الأقاليم الجنوبية: النهوض بالدينامية الاقتصادية والإنتاجية في الجنوب، استكمالاً للسيادة الترابية عبر مشاريع التنمية الشاملة والربط الاستراتيجي والبوابات اللوجستية نحو العمق الإفريقي.
– الرفع من دينامية الاستثمار الإفريقي لتعزيز الحضور الاقتصادي والمؤسساتي للمملكة وتكثيف الاستثمارات الوطنية في القارة الإفريقية، وفق منهج الشراكة المنتجة، تجسيداً للرؤية الاستراتيجية للاندماج والتكامل القاري.
– تنويع الشراكات الدولية والانفتاح وتكريس مكانة المملكة كوجهة استراتيجية موثوقة من خلال توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية مع قوى كبرى وصاعدة، مما عزز الموقع الجيوسياسي والاقتصادي وفتح آفاقاً جديدة للاندماج المؤثر في الاقتصاد العالمي.
هذه من أهم عناوين التطور الاقتصادي في المملكة مما جعلها تحتل مراتب متقدمة على مستوى إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وخاصة في البنية التحتية واللوجيستيك والصناعة والسياحة والطاقة.
غير أن هذه المكتسبات لا يجب أن تخفي أهم التحديات التي وجب التعاطي معها باليقظة والإصلاح اللازمين والدائمين من أجل استدامة النمودج الاقتصادي المغربي وتجويده وتحصينه من كل التهديدات الممكنة في عالم يغرق صراعات واضطرابات لا حصر لها.
ذلك ما سيتطرق لاحقا له في الحزء الثاني من المقال بحول الله.



