كتاب السفير

العرب بين الوجود و .. العدم  !

* الصادق بنعلال

سبق لنا أن خصصنا مقالا صحفيا منذ اليوم الأول من انطلاق الحراك العربي المجهض سنة 2011 ، حاولنا من خلاله أن نسلط الضوء على حال و مآل الربيع الديمقراطي و كلنا أمل في أن يفضي إلى تجسيد نظام سياسي عصري، يضمن العدل و الحرية و الكرامة للشعوب التي عانت تحت وطأة جبروت بلا ضفاف ، و بعد أن تحول هذا الربيع الموؤود إلى خريف دراماتيكي مرعب ، ينهض الشعب الجزائري مجددا للمطالبة بإسقاط نظامه العسكري منتهي الصلاحية ، بغية إقامة نسق سياسي جديد يتناغم و منطق القرن الواحد و العشرين ، منطق الديمقراطية و التداول على السلطة كما هو الشأن في المجمعات الغربية المتقدمة، و قد فضلنا أن نعيد نشر هذا المقال مع بعض التغييرات المطلوبة سياقيا ، خاصة و أنه مازال يعكس كنه المسلكيات السياسوية العربية المهترئة !

1 –  يعيش العالم العربي راهنا وضعا سياسيا غير مسبوق بكل المقاييس. فبعد أن أجمع كبار المعنيين بقضايا الأمة العربية على تكلس الشارع ، و استكانة المواطنين و استسلامهم للأمر الواقع، انطلاقا من ” إيمانهم ” بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ، بل إن البعض الآخر أقر بوفاة العرب و لم يتبق سوى ” الإعلان ” عن هذه النهاية المفجعة ، على إثر ما عاشته المجتمعات العربية من هزائم و ويلات عسكرية و حضارية، تململ الجسد من جديد  ممثلا في شباب عاش ثورة معلوماتية و اختبر بنجاح تقنيات التواصل الاجتماعي الافتراضي ، أملا في رؤية الضوء في نهاية النفق العربي المظلم ، خاصة و أن المؤسسات العربية الرسمية حققت نجاحا باهرا في حرمان المواطن العربي من أبسط حقوق المواطنة ، و جعلته يئن تحت نير  الإقصاء و التهميش و الفقر المادي و المعنوي ، مما حدا به إلى ركوب قوارب الموت و ما بعد ” الموت ” ، عسى أن يعثر على قدر يسير من إنسانيته المغتصبة  .                     

2 –  لم يعد و لن يعود الشباب العربي للاستماع إلى الأسطوانة المشروخة : لا شيء يعلو فوق صوت المعركة تأجيل الانتقال نحو البناء الديمقراطي إلى حين تصفية القضايا القومية ” الكبرى ” .. إن الشباب العربي الراهن عقد العزم على وضع حد للأصولية الدولتية ، و تغول الأنظمة الحاكمة و على مواجهة أنماط سياسية موغلة في البداوة ، و زعامات غارقة في أمراضها الفيزيائية و الماورائية ، كانت سببا محرقيا في تفاقم الاحتقانات الداخلية و الخارجية ، و نشر النعرات العرقية و الدينية و الفوارق الاجتماعية المدوية ، و تعميق بؤر الفساد و نهب الثروات و إشعال الحرائق الجهوية المؤدية إلى الاحتراب الداخلي و الاقتتال بين الإخوة ” الأشقاء “.

3 –  لم تعد الغاية الأسمى للفاعلين السياسيين من شباب و مثقفين و أصحاب الضمائر الحية ، هي تغيير مسؤول بمسؤول آخر مهما علا أو دنا شأنه ، لقد أضحى ديدن هؤلاء هو إقامة أنظمة سياسية ذات مصداقية مؤمنة بالمواثيق و القيم الإنسانية المتعارف عليها دوليا ، إنه من أوجب الواجبات في هذه المرحلة التاريخية المباركة غرس نظام سياسي ( ملكي – رئاسي – جمهوري .. ) مستند إلى دستور حداثي تشارك في صياغته كل الأطراف المنضوية داخل المجتمع و دون إقصاء أو استئصال ، في سياق استفتاء شعبي حر و نزيه لوضع حد لظاهرة الدساتير الممنوحة و المفروضة على رقاب الشعوب المضطهدة ، و أن يكون هناك فصل في الواقع و ليس في الورق بين السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية ، و العمل الجاد من أجل تحقيق مطلب طالما حرم منه المواطن العربي ألا و هو الإعلام الورقي و الإلكتروني المستقل للمساهمة في تنظيف الممارسة السياسية العربية من مظاهر التزلف و صوغ قصائد المدح للزعيم ” القائد المبجل المفدى ” و لو كان طريح فراش الموت ! و هكذا لا يمكن بالبت و المطلق أن نلتحق بركب الدول المتقدمة إلا بالقطع مع أساليب الحكم البائدة : أساليب الغطرسة و الاستبداد و الفساد بكل أصنافه ، و أوضح الطرق المؤدية إلى هذا المبتغى إنجاز إصلاحات بنيوية و صادقة و فعالة ، دون ذلك  ستنطلق الانتفاضات العربية دون توقف  لتشمل كل الأنظمة ” التقدمية و الرجعية ” في أرض العروبة الجريحة و هل هناك فرق بينها ؟

4 –  و قد أعلنها صيحة مدوية منذ (1992 ) منظر العقلانية العربية المرحوم محمد عابد الجابري في كتابه : وجهة نظر .. حينما قال : ” إن الديمقراطية في الوطن العربي ، هي اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة لا من أجل التقدم و حسب بل من أجل الحفاظ على الوجود العربي ذاته ” . فهل نحن مستعدون للتضحية بالغالي و النفيس من أجل الدفاع عن الوجود العربي و كينونته ؟ هل نحن قادرون على تقرير مصيرنا و الذهاب  قدما نحو إرساء دولة الحق و القانون ؟ هل نحن متأهبون لزرع بذور الوحدة و التضامن و العدل و الحرية ؟ .. إذا كانت الثورات المضادة و جيوب مقاومة التغيير قد نجحت في الانقلاب على الإرادة الشعبية ، في كل الأقطار العربية التي شهدت ربيعا ديمقراطيا ” كان صرحا من خيال فهوى ” ، فعسى أن تستفيد السلطة السياسية بالجزائر ، و تستفيد من الخطايا الدراماتيكية التي كانت نتيجة تآمر إقليمي موغل في الفساد و الاستبداد ، و دولي ممثلا في الدول الغربية التي ترى أن الديمقراطية في البلدان العربية تشكل خطرا على مصالحها الاستراتيجية و مطامعها الحيوية ! قلوبنا مع الشعب الجزائري الشقيق ، و دعواتنا له بالنجاح في بلورة تجربة سياسية مدنية حديثة ، تكون قاطرة للمركبة  العربية المعطوبة.

 * باحث مغربي في قضايا الفكر و السياسة 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى