
السفير 24 – بقلم: اسماعيل الحلوتي
بينما كان المواطنون المغاربة منشغلين بموجة غلاء الأسعار التي ضربت معظم المواد الأساسية، وخاصة اللحوم الحمراء التي حلقت أسعارها عاليا في السماء، ونحن على بعد أسابيع قليلة من حلول موعد عيد الأضحى برسم عام 1447 الموافق لسنة 2026. وفي الوقت الذي كان المهتمون بالشأن السياسي يتتبعون بإمعان عرض رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان بخصوص حصيلة حكومته التي أشرفت ولايتها على نهايتها في غضون بضعة شهور، طفا على سطح الأحداث خبر تحول سور “باب دكالة” التاريخي بمدينة النيل مراكش، إلى ما يشبه “حائط مبكى” جديد لليهود.
ففي سابقة تعد هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب المعاصر، أقدمت مجموعة من اليهود الأرثوذكس بلباسهم الديني التقليدي الضارب في السواد أثناء جولة سياحية، على ممارسة شعائرهم الدينية بحرية أمام سور “باب دكالة” السالف الذكر، دون أن يتعرضوا للتضييق من أي جهة، مما أثار استغراب وامتعاض الساكنة المراكشية، التي أصيبت بالكثير من الذهول والحيرة أمام هذا المشهد غير المألوف، الذي وقعت عليه عيون بعضهم فجأة دون سابق إشعار، حيث شرعوا في التقاط صور لهم عبر كاميرات هواتفهم الذكية، ونشره مباشرة على منصات التواصل الاجتماعي…
وما أثار استغراب المواطنين، هو أنه فضلا عن أنهم لم يسبق لهم أن عاشوا مثل هذه الواقعة الغريبة، هم على يقين بأن تلك الزمرة من اليهود التي قامت بأداء صلاة ما يسمى لديهم ب”صلاة المعاريف” المسائية في واضحة النهار بالشارع العام، تدرك جيدا ما يمكن أن يترتب عن ذلك من ردود فعل غاضبة من داخل المغرب وخارجه، لما يجمع المغاربة بإخوانهم الفلسطينيين من روابط متينة، لاسيما بعد مصادقة الكنيست الإسرائيلي يوم 30 مارس 2026 على “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” الذي قدمه حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف. وفي ظل ما يتعرض إليه الشعب الفلسطيني أمام أنظار العالم من اعتداءات متكررة على يد الاحتلال الإسرائيلي، الذي ما انفك يذيقه الكثير من أشكال الظلم والقهر والتجويع والتقتيل وتدمير البيوت والمدارس ودور العبادة فوق الرؤوس في قطاع غزة والضفة الغربية وغيرها من الأراضي المغتصبة…
وقد تساءل الكثير من المواطنين المغاربة سواء من الذين كانوا حاضرين في عين المكان أو غيرهم، إن كان أولئك اليهود الأرثذوكس الذين مارسوا طقوسهم بشكل علني وفي مكان عام، يملكون ترخيصا رسميا من السلطات العمومية يسمح لهم بأداء صلواتهم التلموذية وفق ما هو منصوص عليه في القوانين المغربية المتعلقة بالتجمعات، أم أنهم مارسوا تلك الشعائر تلقائيا لغرض في نفسهم؟ بينما طالب آخرون من مختلف جهات المملكة بضرورة توضيح ملابسات الواقعة التي هزت الرأي العام المغربي، والعمل على اتخاذ ما يلزم من إجراءات صارمة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصرفات، بما يحفظ حرمة الأماكن التاريخية ويحترم القوانين الجاري بها العمل في البلاد…
وبينما التزمت السلطات العمومية الصمت تجاه هذا التصرف غير المعتاد، صرح رئيس الطائفة اليهودية بجهة مراكش-آسفي “جاكي كادوش”، أن الأمر يتعلق بأشخاص ينتمون إلى فئة “الحسيديم”، وهو تيار ديني محافظ داخل اليهودية الأرثوذكشية، نشأ في أوروبا الشرقية خلال القرن الثامن عشر، جاؤوا إلى المغرب من الولايات المتحدة الأمريكية، لكنهم جدوا أنفسهم بغتة بعيدين عن المعابد اليهودية، مما اضطرهم إلى أداء صلاتهم بشكل عفوي أمام سور “باب دكالة”، وأن الحدث لا يهدف إطلاقا إلى استفزاز مشاعر المغاربة ولا يحمل أي ضغينة أو خلفيات مبيتة…
فالرافضون لهذا السلوك وهم كثر يبررون موقفهم بكون هذا الفعل غير المحسوب العواقب لم يأت من فراغ، وإنما يراد من خلاله استفزاز المغاربة وفرض واقع جديد عليهم دون إرادتهم، لأنهم لم يتربوا على مشاهدة مثل هذه الزمرة من اليهود وهي تمارس طقوسها التلموذية في الفضاء العام بكل حرية، وخاصة في قلب المدينة الحمراء مراكش، مدينة المرابطين و”سبعة رجال”، المدينة ذات الرمزية التاريخية العميقة، وخاصة أن البعض من المؤيدين الذين يتحدثون عن تعايش الأديان المنصوص عليه في الدستور المغربي، ويباركون حرية العبادة في الفضاء العام تضامنا مع تلك المجموعة من اليهود، هم أنفسهم الذين ظلوا عبر سنين طويلة ينتقدون صلاة المغاربة وغيرهم من المسلمين خارج المساجد، سواء خلال أيام الجمعة عند صلاة الجمعة أو في ليالي شهر الصيام والقيام رمضان خلال صلاة التراويح، بدعوى أن الفضاء العام هو ملك للجميع، ولا ينبغي لجهة أن تحتكره على حساب أخرى.
بينما يرى الداعمون والمؤيدون لذلك المشهد أنه دليل على أن المغرب يعد “مملكة للتعايش الديني” عكس عديد الدول العربية والإسلامية، مؤكدين أن حرية العقيدة مكفولة دستوريا، وأن لليهود وغيرهم الحق في ممارسة شعائرهم بحرية، ما لم يمس ذلك بالنظام العام للبلاد. ثم لم اللجوء إلى الكيل بمكيالين، في الوقت الذي يسمح فيه للمسلمين بأداء صلواتهم في الأماكن العامة بالغرب؟
نحن هنا لسنا ضد مبدأ التسامح والتعايش بين الأديان الذي يكرسه الدستور المغربي، لكننا نرفض بشدة لجوء بعض اليهود وغيرهم من الديانات الأخرى بمحاولة فرض ممارسة شعائرهم الدينية في الفضاء العام ببلادنا دون تهييء مسبق للمجتمع، تفاديا للصدمات والاصطدامات. وأن يتم ذلك تدريجيا عبر التحسيس والتوعية في البيت والمدرسة وفعاليات المجتمع المدني ومختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية…



