
السفير 24 – نورالدين زاوش
قطع المغرب أشواطا كبيرة في مجالات التنمية، والسياحة، والاقتصاد، والطاقات المتجددة، والصناعة وعلى رأسها الصناعات العسكرية الحديثة، بما فيها إنتاج “الدرونات”، والرؤوس الحربية المتطورة، والمدرعات المصفحة، ومحركات الطائرات الحربية وغيرها، حتى بات واحدا من أهم المُصدرِّين لدول إفريقية وحتى أوروبية؛ إلا أن هذه النهضة الواعدة، التي لا تخطئها عين ولا ينكرها منصف؛ لم تنعكس حقيقة على معيشية المواطنين بما يناسب هذه الطفرة التنموية، مما يضعنا أمام تساؤل سرمدي تعاقبت على طرحه الأجيال، دون أن يجد له حلا أحد: من المسؤول؟
تختلف القراءات وتتشعب الروايات؛ ولكن الأكيد أن الجميع يساهم بنصيب في هذا الخلل الذي عانى منه الجميع، فلا فرق بين المعلم السيء في المدرسة، والطبيب المتقاعس في المستشفى، والجزار الغشاش، والموظف المتعالي على المواطنين، والقاضي المرتشي، والمحامي عديم المهنية والضمير، والوزير الفاسد فاقد المبادئ والأخلاق، إذْ كل واحد منهم إلا ويشارك بنصيب قلَّ أو كثر، حسب قدرته على الإفساد، إذا كان فاسدا طبعا، وحسب قدرة الترسانة القانونية على ردع هؤلاء الفاسدين.
من حسن حظ هذا البلد الأمين، أنَّ فيه كثيرا من الشرفاء الأوفياء، وفي جميع المجالات بدون استثناء، وأنّ معركة الحق والباطل مستمرة إلى يوم الدين؛ إلا أن قرب خروج المغرب من عنق زجاجة التخلف، ومن دائرة دول العالم الثالث، جعله في فوهة بركان الدول التي ستتضرر من هذا الوضع الجديد، وعلى رأسها إسبانيا التي أصابها السُّعار هذه الأيام، مِن خشيتها أن يكون تحرير الثغور المحتلة أولوية لدى المغرب بعد فض نزاع الصحراء، ومِن رعبها مِن أن يُفضي التحالف المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي في المجال العسكري إلى فرض معادلة جديدة للقوة في المنطقة.
إن النهضة المغربية التي خطط لها جلالة الملك منذ عقود، لم تظهر بوادرها إلا بعد أزمة كورونا، الأمر الذي فاجأ الدول العربية والإفريقية، حيث وجدت نفسها في حرج غير مسبوق أمام مواطنيها؛ لذا تجد هذه الدول تكيد بالليل والنهار للنيل من سمعة المملكة المغربية الشريفة كلما سنحت لها الفرصة لذلك، وهو ما لمسناه بشكل رهيب لدى مصر والجزائر وتونس وقطر وجنوب إفريقيا وغيرها.
إن الوضع الدقيق الذي يمر منه المغرب في أمتاره الأخيرة نحو المجد الذي لا رِجعة فيه، وتكالب أعداء الداخل والخارج من أجل فرملة عجلة النهضة المغربية، يجعلنا مجبرين على تغليب المصلحة العليا، وعلى تجاوز كثير من المراهقة السياسية التي ظاهرها حب للوطن، وباطنها غدر وكيد وقلة وطنية، وقد يتسنى ذلك إذا كانت الاستحقاقات المقبلة بلا رابح أو خاسر، حيث يبدو لي الوضع مناسبا لمباشرة النقاش حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، يكون أكبر رابح فيها هو الوطن، خصوصا وأن السنوات الأربع القادمة، ستكون مصيرية في تحديد الموقع الجديد للملكة في خريطة السياسة العالمية.
رئيس جمعية المعرفة أولا*



