
السفير 24
يأتي طموح بوشعيب حميد الله، رئيس جماعة بني يكرين بإقليم سطات، للانتقال من تدبير الشأن الجماعي إلى الترشح للبرلمان، في وقت ما تزال فيه مجموعة من الدواوير تعاني من اختلالات مرتبطة بالخدمات الأساسية، وعلى رأسها الماء والطرق والإنارة العمومية. وهو ما يجعل من المشروع السياسي للرجل مناسبة لطرح أسئلة صريحة ومسؤولة حول الحصيلة، وترتيب الأولويات، ومدى استفادة مختلف مكونات الجماعة من برامج التنمية، بعيدا عن منطق الولاءات والاعتبارات الانتخابية.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الخدمات الأساسية حقا مشتركا لجميع المواطنين، تشير معطيات محلية إلى أن ساكنة عدد من الدواوير، من بينها دوار أولاد أحمد التبابعة، ودوار أولاد أبوبكر، والبصارة، والعزاوزة، والزواتنة، وأولاد الحاج أعمر، فضلا عن دواوير السمان والفقرا والمكرط وبني زرارة، ما تزال تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على الماء الصالح للشرب، ما يطرح علامات استفهام جدية حول واقع التنمية وتكافؤ الاستفادة من الخدمات داخل تراب الجماعة.
والأكثر إثارة للانتباه أن جزءا من هذه الساكنة، حسب معطيات متداولة محليا، يضطر إلى الاعتماد على مياه يتم توفيرها بشكل عشوائي من طرف جمعيات، مصدرها آبار يقال إنها لا تخضع، في جميع الحالات، للفحوصات الضرورية التي تضمن سلامة المياه وصلاحيتها للاستهلاك. وهنا لا يتعلق الأمر بملف عادي يمكن تأجيله أو التعامل معه بمنطق الحلول المؤقتة، وإنما بمسألة ترتبط مباشرة بصحة المواطنين وسلامتهم، وتستوجب توضيحات دقيقة من الجهات المسؤولة حول مصدر المياه، وكيفية مراقبتها، ومدى احترامها للمعايير الصحية المعمول بها.
وبالموازاة مع ذلك، تطرح معطيات أخرى سؤالا أكثر حساسية حول طريقة تدبير توزيع الماء بواسطة الشاحنات الصهريجية. إذ تشير إفادات محلية إلى أن بعض الدواوير تستفيد من تزويد منتظم نسبيا بالماء الصالح للشرب بواسطة هذه الشاحنات، بينما تظل دواوير أخرى تعاني من الخصاص. وإذا كانت هذه المعلومة تحتاج إلى تدقيق ميداني ورسمي، فإن مجرد تداولها بين المواطنين يفرض على المجلس الجماعي تقديم توضيحات للرأي العام حول معايير الاستفادة، وهل تخضع العملية لحاجيات موضوعية وخرائط واضحة للخصاص، أم أن الاعتبارات الانتخابية أو السياسية يمكن أن يكون لها تأثير في ترتيب الأولويات.
وتزداد حساسية هذا الملف عندما يتداول بعض السكان أن الدواوير التي تحظى بالأولوية في الاستفادة من صهاريج الماء هي تلك التي توصف محليا بأنها أقرب إلى رئيس الجماعة انتخابيا، أو التي ينظر إليها باعتبارها قاعدة تصويتية داعمة له. وهذه ادعاءات خطيرة لا يجوز التعامل معها كحقائق ثابتة دون تحقيق أو أدلة، لكنها في المقابل تستحق التوضيح والنفي أو التأكيد من خلال معايير معلنة وشفافة، لأن الماء ليس امتيازا انتخابيا، ولا ينبغي أن يرتبط بأي شكل من الأشكال بموقف المواطن السياسي أو الانتخابي.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس فقط توفير الصهاريج عند اشتداد الأزمة، وإنما وضع تصور دائم ينهي حالة الارتهان للحلول المؤقتة، عبر البحث عن مصادر مائية آمنة، ومراقبة جودة المياه، وتوسيع شبكات التزويد، وضمان استفادة جميع الدواوير وفق معايير موحدة وشفافة. فساكنة العالم القروي لا ينبغي أن تظل مضطرة إلى انتظار شاحنة ماء حتى تتمكن من تأمين حاجة أساسية من حاجيات الحياة اليومية.
ولا تتوقف الصورة عند ملف الماء، إذ تطرح الإنارة العمومية بدورها أسئلة حول مستوى الخدمات داخل الجماعة. فبحسب إفادات من الساكنة، لا يزال حضور الإنارة العمومية ضعيفا في عدد من المناطق، الأمر الذي يزيد من صعوبة التنقل ليلا ويؤثر على الإحساس بالأمان، خصوصا بالنسبة إلى النساء والأطفال وكبار السن. وفي جماعة تمتد على عدد من الدواوير، يفترض أن تكون الإنارة جزءا من الحد الأدنى للبنية التحتية والخدمات التي يستفيد منها المواطن بشكل عادل.
وفي المقابل، تثار انتقادات بشأن تفاوت واضح في مستوى التجهيز بين بعض الدواوير، مع تداول معطيات تفيد بأن دوار الرواونة، الذي يرتبط بالرئيس، استفاد من وضع مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية للإنارة العمومية، إلى جانب تزفيت الطريق الرئيسية بالدوار بشكل كامل، في الوقت الذي لا تزال فيه دواوير أخرى تشتكي من ضعف أو غياب الإنارة ومن وضعية طرق ومسالك تحتاج إلى التأهيل.
ومرة أخرى، فإن هذه المعطيات، بما أنها تستند إلى إفادات محلية، تحتاج إلى التحقق من الوثائق الرسمية والبرامج المنجزة والاعتمادات المرصودة، غير أن طرحها يظل مشروعا ما دام المواطنون يتساءلون عن المعايير التي تحدد ترتيب المشاريع داخل الجماعة. فالمشكل ليس في استفادة دوار الرواونة من مشروع أو طريق معبدة أو إنارة، بل في معرفة ما إذا كانت الأولويات قد حددت بناء على دراسات موضوعية وحاجيات تنموية، أم أن هناك تفاوتا غير مبرر في توزيع المشاريع.
فالتنمية المحلية لا يمكن أن تدار بمنطق “هذا الدوار معنا وهذا الدوار ضدنا”، لأن المنتخب، بمجرد وصوله إلى المسؤولية، يصبح مسؤولا عن جميع المواطنين، بمن فيهم من لم يصوتوا عليه. كما أن الخدمات العمومية لا ينبغي أن تتحول إلى مكافأة انتخابية، ولا أن يشعر المواطن بأن الاستفادة من الماء أو الإنارة أو الطريق تتوقف على موقعه السياسي.
ومن هنا تحديدا تبرز أهمية هذه الملفات في سياق الحديث عن طموح بوشعيب حميد الله للترشح للبرلمان. فإذا كان الرجل يسعى إلى الحصول على ثقة ساكنة دائرة أوسع، فإن من حق هذه الساكنة أن تسأله أولا عن حصيلته داخل جماعته، وأن تعرف كيف سيحمل إلى البرلمان ملفات منطقة لا تزال بعض دواويرها تواجه مشاكل في الماء والطرق والإنارة.
فالبرلماني الذي سيمثل ساكنة سطات لن يكون مطلوبا منه فقط أن يتحدث عن القضايا الكبرى داخل قبة البرلمان، وإنما أن يحمل أيضا هموم المناطق القروية التي ما زالت تبحث عن أبسط شروط العيش الكريم. وإذا كان حميد الله يملك تجربة في تدبير الجماعة، فإن هذه التجربة يفترض أن تتحول إلى برنامج برلماني واضح، يتضمن التزامات عملية بشأن الماء، والصحة، والتعليم، والطرق، والنقل المدرسي، والفلاحة، ودعم الشباب، وفك العزلة عن الدواوير.
وفي هذا السياق، سيكون من المشروع أيضا مطالبة المرشح المرتقب بتقديم حصيلة دقيقة وشفافة: ما هي المشاريع التي أنجزت فعلا؟ ما كلفتها؟ ما هي الدواوير التي استفادت منها؟ وما هي المشاريع التي بقيت معلقة؟ ولماذا؟ وكيف تم ترتيب الأولويات؟ وهل توجد معايير معلنة وموحدة لتوزيع الخدمات والمشاريع بين مختلف الدواوير؟
إن مثل هذه الأسئلة ليست تشويشا على أي طموح سياسي، بل هي جوهر العمل الصحفي والمساءلة الديمقراطية. فالمسؤول الذي يطلب من المواطن أن يمنحه صوتا جديدا، مطالب بأن يفتح دفتر حصيلته السابقة للنقاش، وأن يجيب عن مكامن القوة والضعف بكل وضوح.
وبالنسبة إلى ساكنة أولاد أحمد التبابعة، وأولاد أبوبكر، والبصارة، والعزاوزة، والزواتنة، وأولاد الحاج أعمر، والسمان، والفقرا، والمكرط، وبني زرارة وغيرها من الدواوير، فإن السؤال لم يعد فقط من سيصل إلى البرلمان، وإنما من سيضمن لهم الماء الآمن، والطرق اللائقة، والإنارة، والخدمات الصحية والتعليمية، والتنمية التي لا تميز بين دوار وآخر.
إن بني يكرين لا تحتاج إلى شعارات انتخابية جديدة بقدر ما تحتاج إلى جواب واضح عن سؤال التنمية. وإذا كان بوشعيب حميد الله يطمح إلى الانتقال من رئاسة الجماعة إلى قبة البرلمان، فإن عليه أن يقنع الساكنة أولا بأن تجربته المحلية قادرة على إنتاج نموذج مختلف في الترافع، وأن الملفات التي عجزت الجماعة عن حسمها أو لا تزال متعثرة فيها، ستتحول إلى أولويات حقيقية في مشروعه البرلماني.
هذا، ويبقى الماء هو العنوان الأبرز لهذه المعادلة، فلا يمكن الحديث عن تنمية قروية حقيقية بينما تضطر دواوير إلى البحث عن الماء بطرق غير مستقرة، ولا يمكن بناء الثقة الانتخابية على أساس منطق الاستفادة والولاء. فالساكنة تريد مؤسسات تشتغل بالمعايير نفسها مع الجميع، ومشاريع توزع وفق الحاجة والأولوية، ومنتخبا يعتبر صوته الانتخابي تكليفا لخدمة المواطن، وليس بطاقة امتياز للحصول على الخدمة.
وإذا كان طموح حميد الله مشروعا سياسيا، فإن مساءلته عن حصيلته أكثر مشروعية؛ وإذا كان يريد أن يصبح صوت بني يكرين وعموم ساكنة سطات داخل البرلمان، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ من الإجابة عن أسئلة ساكنة الدواوير التي ما زالت تنتظر الماء والإنارة والطرق والتنمية، لا من رفع سقف الوعود فقط.



