
السفير 24
في عالم أصبحت فيه التهديدات الأمنية أكثر تعقيدا وتشابكا، لم يعد نجاح الأجهزة الاستخباراتية يقاس فقط بعدد العمليات التي يتم إحباطها بعد اكتشافها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الخطر قبل أن يتحول إلى واقع.
وفي هذا المجال، برزت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، المعروفة اختصارا بـ”الديستي”، كواحدة من أبرز ركائز المنظومة الأمنية المغربية، فيما ارتبط اسم مديرها العام عبد اللطيف حموشي بمنهج يقوم على اليقظة والاستباق وربط المعلومة بالقرار.
ويشغل حموشي منصبي المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، وهو جمع للمسؤوليتين منح المنظومة الأمنية المغربية مستوى متقدما من التنسيق بين المعلومة الاستخباراتية والعمل الأمني الميداني. كما أن مساره المهني ارتبط بالتخصص في التحليل الاستخباراتي وتدبير الأزمات، وحصل على عدة ترقيات وأوسمة تقديرا لمساره.
ولعل أبرز ما يميز تجربة حموشي هو أن الأمن، في تصوره العملي، لا ينبغي أن ينتظر وقوع الجريمة حتى يبدأ التحرك، بل عليه أن يقرأ المؤشرات الصغيرة، ويجمع المعطيات المتفرقة، ويحلل العلاقات والروابط، ثم يتحرك في اللحظة المناسبة.
وهنا بالضبط تظهر قوة “الديستي”.
فالكثير من الملفات الأمنية لا تبدأ بحدث كبير، وإنما بخيط صغير.. معلومة، حركة مشبوهة، اتصال، ارتباط غير عادي أو مؤشر يحتاج إلى التحليل. والقيمة الحقيقية للعمل الاستخباراتي تكمن في القدرة على تحويل هذه المعطيات المتفرقة إلى صورة متكاملة تسمح بفهم الخطر قبل أن يصل إلى مرحلة التنفيذ.
هذه العقلية الاستباقية جعلت من حموشي، خلال السنوات التي قاد فيها الجهاز، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالنجاحات الأمنية المغربية في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، كما جعلت التعاون الاستخباراتي المغربي مع شركاء دوليين عنصرا حاضرا بقوة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وليس صدفة أن يقود حموشي وفودا أمنية مغربية إلى لقاءات دولية مخصصة لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، وأن يقدم في المحافل الدولية التجربة المغربية باعتبارها نموذجا يقوم على التكامل وتعدد المسارات في مكافحة التهديدات الإرهابية. ففي ماي 2026، عرض خلال اجتماع دولي بفيينا المقاربة المغربية المتكاملة لمكافحة الإرهاب، وتناول خريطة التهديدات الإرهابية وامتداداتها في مناطق النزاع حول العالم.
كما أن الحضور الخارجي لحموشي لا يقتصر على المؤتمرات، بل يشمل تعزيز التعاون المباشر مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأجنبية. وفي هذا السياق، استقبل مسؤولين أمنيين واستخباراتيين أجانب، من بينهم مسؤول الاستعلامات بالحرس المدني الإسباني، فيما قاد في ماي 2026 وفدا أمنيا مغربيا إلى تركيا لبحث قضايا التعاون الأمني.
وهذا الحضور الدولي يعكس حقيقة أصبحت واضحة: الأمن المغربي لم يعد يشتغل بمنطق الحدود المغلقة، لأن الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات الاتجار غير المشروع لا تعترف أصلاً بالحدود.
ومن هنا تأتي أهمية المعلومة التي توفرها “الديستي” لشركائها، وأهمية المعلومات التي تتلقاها بدورها من أجهزة أجنبية. فالمعركة الأمنية الحديثة تقوم على تبادل المعلومات في الوقت المناسب، وعلى القدرة على تركيب أجزاء الصورة قبل أن تكتمل لدى الطرف الآخر.
وفي هذا الجانب، يمكن فهم القوة الحقيقية لنموذج حموشي: المعلومة أولا، التحليل ثانيا، والاستباق ثالثا، ثم يأتي التدخل الميداني في اللحظة المناسبة.
واللافت أن نجاح العمل الاستخباراتي غالبا ما يكون غير مرئي. فإذا تمكن جهاز أمني من إحباط مخطط إرهابي قبل تنفيذه، فلن يكون هناك مشهد انفجار أو ضحايا أو عملية كبيرة ليتابعها الرأي العام. أما النجاح الحقيقي فيكون في أن الخطر لم يقع أصلا.
وهذا تحديدا ما يجعل العمل الاستخباراتي مختلفاً عن العمل الأمني التقليدي؛ فالشرطة قد تصل إلى الجريمة بعد وقوعها للتحقيق في ملابساتها، بينما تحاول أجهزة الاستعلامات الوصول إلى الخطر قبل أن يتحول إلى جريمة.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة “الديستي” في عهد حموشي تقوم على فلسفة واضحة: لا تنتظر الخطر.. ابحث عنه قبل أن يصل إليك.
كما أن جمع مسؤولية الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني في يد حموشي ساهم في تقوية جسور التنسيق بين الجهاز الاستخباراتي والمصالح الأمنية الميدانية، وهو ما يجعل المعلومة قابلة للتحول بسرعة إلى إجراء أمني عندما تتوفر الشروط القانونية والعملية لذلك.
ولا يتعلق الأمر فقط بمكافحة الإرهاب، بل يمتد إلى الجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود، وهي ملفات تتطلب تعاونا دوليا متواصلا، خصوصاً في ظل تطور وسائل التواصل والتنقل والتمويل واستعمال التكنولوجيا في الأنشطة الإجرامية.
ولذلك فإن قوة حموشي لا تكمن فقط في موقعه الرسمي، وإنما في الطريقة التي تحولت بها المعلومة الأمنية إلى أداة للاستباق، وفي قدرة المنظومة التي يشرف عليها على بناء علاقات تعاون مع أجهزة أمنية واستخباراتية من دول مختلفة.
وقد ساهم هذا المسار في تعزيز صورة المغرب كشريك أمني موثوق في عدد من الملفات الدولية، خصوصاً مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما أن جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية تصف حموشي بأنه من المختصين البارزين في مكافحة الخلايا الإرهابية وأساليبها، وهو تقدير يعكس الحضور الذي راكمه الرجل في هذا المجال.
ورغم أن طبيعة العمل الاستخباراتي تفرض بقاء جزء كبير من التفاصيل بعيداً عن التداول الإعلامي، فإن ما يظهر للعلن من عمليات وتنسيق دولي ولقاءات أمنية يكشف عن منظومة تقوم على اليقظة الدائمة وليس على رد الفعل.
وهنا يمكن فهم سر الحضور القوي لعبد اللطيف حموشي في المشهد الأمني المغربي: رجل يعمل بعيداً عن الأضواء في أغلب الأحيان، لكن نتائج عمل الأجهزة التي يشرف عليها تظهر عندما يتم تفكيك خلية قبل تنفيذ مخططها، أو ضبط شبكة قبل توسع نشاطها، أو تبادل معلومة أمنية تحول دون وقوع خطر خارج الحدود.
إنها فلسفة الأمن قبل الخطر، والمعلومة قبل العملية، والاستباق قبل المواجهة.
وبهذا المعنى، فإن عبد اللطيف حموشي لا يقدم فقط نموذج مسؤول أمني يمسك بزمام جهازين كبيرين، بل يجسد مدرسة أمنية مغربية راهنت، خلال السنوات الماضية، على قوة المعلومة، ودقة التحليل، وسرعة التنسيق، والانفتاح على الشركاء الدوليين.
وفي عالم أصبحت فيه الأخطار تتحرك بسرعة، تبدو المعادلة التي تقوم عليها هذه المقاربة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مضمونها: كلما وصلت المعلومة في وقت أبكر، كانت فرصة حماية الناس والوطن أكبر.
وهنا تحديداً تتجلى قوة “الديستي” بقيادة حموشي: أن ترى ما قد لا يراه الآخرون، وأن تربط الخيوط قبل أن تتحول إلى شبكة، وأن تتحرك قبل أن يتحول الاحتمال إلى خطر حقيقي.



