
السفير 24
تعيش مدينة برشيد، منذ سنوات، على وقع تراجع ملحوظ في الحركية الثقافية والفنية، في وقت تشهد فيه مدن مجاورة دينامية متواصلة من خلال تنظيم مهرجانات وسهرات فنية وتظاهرات ثقافية ورياضية تسهم في تنشيط الفضاء العام وتحريك العجلة الاقتصادية المحلية، فضلاً عن توفير متنفس حقيقي للساكنة بمختلف فئاتها.
وفي المقابل، تبدو برشيد اليوم وكأنها خارج هذه الدينامية التي تعرفها العديد من الجماعات الترابية، بعدما اختفت من أجندتها المواعيد الثقافية والفنية التي كانت إلى وقت قريب تشكل مناسبة للاحتفاء بالإبداع المحلي وإبراز المواهب الشابة، فضلا عن خلق أجواء من الحيوية داخل المدينة.
ولئن كانت مسؤولية النهوض بالشأن الثقافي تتقاسمها عدة جهات ومؤسسات، فإن المجلس الجماعي يظل الفاعل الرئيسي على المستوى المحلي، بحكم اختصاصاته في مجال التنشيط الثقافي ودعم المبادرات الفنية وإبرام الشراكات الكفيلة بإغناء المشهد الثقافي. ومن هذا المنطلق، يطرح متابعون للشأن المحلي تساؤلات مشروعة حول حصيلة المجلس في هذا المجال، وحول الأسباب التي جعلت المدينة تعيش هذا الفراغ المتواصل.
وعلاوة على ذلك، فإن غياب برنامج سنوي واضح للأنشطة الثقافية والترفيهية بات يثير استغراب العديد من الفاعلين الجمعويين والمهتمين بالشأن المحلي، خاصة وأن المدينة تتوفر على طاقات شبابية ومؤهلات بشرية قادرة على المساهمة في إحياء المشهد الثقافي إذا ما توفرت الإرادة والدعم اللازمان.
وفي السياق ذاته، يرى عدد من المتتبعين أن التنمية المحلية لا تختزل فقط في إنجاز المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية أو تدبير الخدمات الأساسية، بل تشمل أيضا الاستثمار في الثقافة والفن والترفيه باعتبارها عناصر أساسية لتحسين جودة الحياة وتعزيز جاذبية المدن.
كما أن غياب الأنشطة الثقافية لا ينعكس فقط على الجانب الترفيهي، بل يؤثر كذلك على الدينامية الاقتصادية للمدينة، حيث تشكل المهرجانات والتظاهرات الفنية في العديد من المدن فرصة لتنشيط الحركة التجارية والسياحية وخلق رواج اقتصادي يستفيد منه عدد من المهنيين والتجار.
وأمام هذا الوضع، تتعالى أصوات عديدة مطالبة المجلس الجماعي بإعادة الاعتبار للبعد الثقافي ضمن أولوياته التدبيرية، من خلال بلورة رؤية واضحة وبرنامج متكامل يعيد الحياة إلى الساحات والفضاءات العمومية، ويمنح للشباب فضاءات للتعبير والإبداع والمشاركة في الحياة العامة.
وفي انتظار ذلك، تبقى برشيد مطالبة أكثر من أي وقت مضى باستعادة مكانتها الثقافية والفنية، لأن المدينة التي تكتفي بتدبير شؤونها اليومية دون الاستثمار في الثقافة والإنسان، تفقد تدريجيا جزءا من روحها وهويتها وجاذبيتها، وهو ما يجعل الرهان على التنشيط الثقافي خيارا تنمويا لا يقل أهمية عن باقي الأوراش المحلية.



