
السفير 24
بدأت أوراق هشام جيراندو، أحد أكثر الوجوه إثارة للجدل في ساحة معارضي الخارج، تتساقط تباعاً، ليس بفعل تفنيد المؤسسات الرسمية لما يروّجه من روايات، بل بسبب ضربات قاسية تلقاها هذه المرة من معارضين لطالما تقاطع معهم في خطاباته العدوانية تجاه المغرب، وعلى رأسهم محمد حاجب وزكرياء المومني.
في بث مباشر حديث، شن البطل السابق في الملاكمة زكرياء المومني هجوماً لاذعاً على جيراندو، واصفاً إياه صراحة بـ”العميل”، ومشككاً في كل ما يصدر عنه من “مزاعم صحفية” لا تستند لا إلى منطق، ولا إلى وثائق، ولا حتى إلى مصادر يمكن تصديقها. واعتبر المومني أن ما يروّج له جيراندو يدخل ضمن “التهريج الإعلامي”، ويخدم أجندات لا علاقة لها لا بحرية التعبير ولا بالمبادئ التي يدّعي الدفاع عنها.
من جانبه، لم يتأخر محمد حاجب في الانضمام إلى الحملة، موجهاً اتهامات مماثلة لجيراندو، واتهمه بالكذب المتكرر والارتباط بأجندات مخابراتية، مشيراً إلى أن عدداً من الفيديوهات التي يبثها الأخير تحتوي على مغالطات مكشوفة وفبركات سطحية الهدف منها تضليل الجمهور واستفزاز المؤسسات. حاجب، المعروف بخطابه العدمي، لم يتردد في وصف جيراندو بـ”المُندس”، معتبراً أنه يسيء حتى إلى المعارضة نفسها، ويقدّم خدمة مجانية للنظام الذي يزعم معارضته.
اللافت أن هذه الانتقادات لم تأتِ من أطراف محسوبة على الدولة أو الإعلام الرسمي، بل من داخل المعسكر الذي طالما زُعم أن جيراندو يمثّله. هذا ما جعل مراقبين يعتبرون أن هشام جيراندو بات اليوم عبئاً حتى على الحركات الراديكالية التي كانت في وقت سابق تتبنى بعض طرحه، وتسوّق لمقاطع فيديوهاته، رغم افتقادها إلى المصداقية.
جيراندو، الذي اعتاد تقديم نفسه كصحفي استقصائي، لا يحمل في الواقع أي اعتماد مهني من جهة صحفية معترف بها، ولا ينتمي إلى أي هيئة تحرير معروفة. أغلب ما يروّجه يبقى خليطاً من الشائعات، ومعلومات “مجهولة المصدر”، مع تغليفها بمصطلحات مثيرة تُغري المتلقي الباحث عن الإثارة دون تحقق. وهو ما جعل عدداً من المتابعين يصفونه بـ”صانع المتاعب”، لا الصحفي، معتبرين أن أسلوبه يقوم على الإثارة المجانية، وتلفيق السيناريوهات، والتغذي على الجدل، ولو على حساب الكرامة المهنية.
كما يُلاحظ أن لغة جيراندو الخطابية تتسم بالفوضوية، إذ تفتقر تصريحاته إلى علامات ترقيم أو منطق تسلسلي، في ما يشبه الهذيان البصري الذي يُقدَّم على شكل “سبق صحفي”. وحتى في أحدث ظهور له، حين ادعى توصله بمعلومة من “مصادره الخاصة” ووعد بصورة قادمة “لإثبات الحقيقة”، لم يكن هناك أي محتوى جديد، بل تكرار لنفس الأسلوب: وعود بدون تنفيذ، واتهامات بدون أدلة.
وسط كل هذا التراشق، بات هشام جيراندو نموذجاً لانحدار خطاب المعارضة بالخارج، الذي انزلق من القضايا الجوهرية إلى الصراعات الشخصية، والتخوين المتبادل، والادعاءات العبثية التي تُنشر وتُفند في ظرف ساعات. فأن يصفه المومني بـ”الكذاب”، ويتهمه حاجب بـ”العمالة”، معناه أن الرجل لم يعد يحظى بأي شرعية أو ثقة حتى بين رفاق الدرب – إن صحّ وصفهم بذلك.
في المحصلة، المشهد اليوم يعكس الانهيار التدريجي لمشروع “المعارضة من الخارج”، التي كانت تحاول أن ترسّخ لنفسها دوراً إعلامياً موازياً، قبل أن تنكشف أوراقها، وتبدأ أصواتها بالتناحر فيما بينها، في مشهد لا يخلو من عبثية ومن فقدان للبوصلة الأخلاقية والسياسية.



