في الواجهةكتاب السفير

هل يمكن التوكيل في مسطرة الطلاق؟

REGION CASA SETTAT

* د. يسين العمري

تلقيت سؤالاً هو الأوّل منذ وضعت بريدي الإلكتروني رهن إشارة القرّاء الكرام عند كتابة مقالي عن الوصية الواجبة في القانون المغربي، وكان من السيدة هبة من مدينة الدار البيضاء وهو كالآتي:

أخي مقيم بالديار الفرنسية وزوجته وأبنائه يقيمون في المغرب مع أهل الزوجة، وقد وصلت العلاقة بينهما إلى الطريق المسدود، ويريدان إنهاء هذه العلاقة، وهو ظروف عمله إضافة إلى كورونا والقيود المفروضة على السفر لا يستطيع الحضور إلى المغرب لإنهاء أموره بنفسه، ويريد أن يوكل لي هذه المهمّة، فهل يمكن التوكيل في مسطرة الطلاق؟

تفاعلاً مع سؤال أجيب باسم الله كالأتي:

كتقديم أذكّرك وأخاك وأذكّر نفسي وكلّ المسلمين، إذ ستحضر في هذا المقام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المروي عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار قال عليه السلام: “إنّ أبغض الحلال عند الله الطلاق”، وكذلك قول الله عزّ وجلّ في سورة النساء الآية التاسعة عشر: “فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراُ”، والطلاق يضرّ الأبناء أكثر الضرر لما فيه من انعكاسات سلبيات على نفسيتهم، وإمكانية أن تتحوّل إلى سلوكيات اجتماعية غير محمودة العواقب، لذلك فالتروي مطلوب واستحضار مصلحة الأبناء كذلك، وبالتالي نصيحتي لك أن تطلبي من أخيك عدم التسرّع في مثل هذا القرار، لأنّ له كلفة عالية خصوصاً على الأبناء وبالأخصّ إن كانوا صغار السن.

بعد هذا التذكير، أنطلق للإجابة عن الشق القانوني في السؤال، إذ أنّه من المعلوم أنّ المشرّع في مدونة الأسرة لم يشر صراحة إلى الوكالة في الطلاق، بالرغم من أنّه نظمها في الزواج (المادة 17)، ممّا أثار مثل تساؤل الأخت هبة غيرها عن هذا السكوت، سيما وأنّ مدونة الأحوال الشخصية السابقة كتنت تنصّ صراحة في الفصل 44 على الوكالة في الطلاق، وفي تقديري يمكن تفسير سكوت المشرّع بحرصه على الحضور الشخصي للزوجين، وبالتالي إبعاد كلّ أجنبي دخيل بينهما، ليتحقّق الهدف الأساسي الذي هو إجراء محاولة صلح حقيقية تؤتي ثمارها المرجوة للحفاظ على كيان الأسرة المهددة بالطلاق، والحرص أيضاً على أنّ إنهاء العلاقة الزوجية لا يتمّ إلا بحضور الزوجين أو أحدهما، بيد أنّ الضرورات العملية والواقع المعاش قد أبانا عن وجود بعض الحالات التي يتعذّر فيها على الزوجين أو أحدهما الحضور الشخصي لمسطرة الطلاق، ممّا يلحق الضرر بهما أو بأحدهما ويحيد بالتالي عن هدف المشرّع من إيلائه العناية والرعاية والحماية للأسرة، علماً بأنّ أغلبية المذاهب الفقهية الأربعة – وفي طليعتها المذهب المالكي- تجيز الوكالة في الطلاق، ومدونة الأسرة تحيل عليه في المادة أربعمائة في كلّ ما لم ينصّ عليه فيها وعلى الاجتهاد.

وعلى هذا الأساس، فالأصل أن تباشر مسطرة الطلاق بصفة شخصية من الزوجين المعنيين بالأمر، غير أنّه إذا تعذّر حضور أحدهما أو كليهما لأسباب جدّية ومقنعة للقاضي لإجراء محاولة الصلح، فيمكن استثناءًا تجاوز هذا المحاولة، وإذا تعذّر الحضور عند الإشهاد على الطلاق، فيمكن قبول التوكيل على الطلاق، إذا كانت هناك ظروف خاصّة لا يتأتّى معها للموكّل الحضور شخصياً، وأرى أنّ هذا الأمر ينطبق على حالة أخيك، من حيث أنّ رحلات الطيران بين المغرب وفرنسا متوقفة بسبب كورونا، وبالتالي نحن هنا أمام حالة القوّة القاهرة، لكن ينبغي على أخيك بصفته موكلاً أن يضمن سبب توكيله لك في الوكالة، حتى يعتدّ بها قاضي التوثيق عندما تعرض عليه، وهو من يعود له الأمر في الأخير لمراقبة وجاهة هذا السبب، وبالتالي قبوله أو رفضه.

أتمنى أن أكون قد وفقت في الجواب عن سؤال الأخت، وقد اعتمدت في ذلك ما أمكن من مراجع ونصوص قانونية، على وعد بأنّ المقالة المقبلة ستكون بحول الله عبارة عن إجابة الأخ أنور من مدينة تاونات عن سؤاله حول الإرث بالتعصيب، ثمّ التي تليها جواب عن تساؤل الأخ حسن من مدينة الجديدة عن مسطرة البيع بالمزاد العلني، يسرّني تفاعلكم، وللمزيد من الأسئلة قصد الجواب عنها بحول الله تعالى.

دارس ومهتمّ بالقانون المقارن

[email protected]

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى