
السفير 24
أعادت تدوينة الصحفي الحسين المجدوبي الجدل حول الخطاب الذي يستهدف المؤسسات الأمنية المغربية، بعدما اختار صاحبها توجيه رسائل مشفرة وإشارات غير مباشرة إلى عدد من المسؤولين والملفات الحساسة. غير أن ما يلفت الانتباه في هذه الخرجة ليس فقط مضمونها، وإنما الطريقة التي صيغت بها، إذ تتحول الرموز والتلميحات إلى وسيلة لطرح اتهامات ثقيلة من دون تقديم المعطيات التي تسمح للرأي العام بالتحقق منها.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بقوة: لماذا كل هذا الغموض إذا كانت المعطيات التي يستند إليها صاحب التدوينة قابلة للإثبات؟ فحين يتعلق الأمر بمؤسسات سيادية وبملفات أمنية حساسة، لا تكفي الإشارات ولا الأسماء المستعارة ولا العبارات الموحية، وإنما تكون الوثيقة هي الفيصل، ويصبح تقديم الأدلة أكثر أهمية من رفع سقف الاتهامات.
والأكثر إثارة أن الخطاب المتداول حول المؤسسة الأمنية يقع أحيانا في مفارقة واضحة؛ فمن جهة، يتم تصويرها باعتبارها عاجزة عن حماية بعض المعطيات أو استباق بعض الملفات، ومن جهة أخرى تنسب إليها قدرات واسعة على التأثير والتحكم في شبكات إعلامية وتحركات دولية. وبين الصورتين المتناقضتين، يبقى السؤال مشروعا: أي رواية يريد أصحاب هذه الطروحات إقناع الرأي العام بها؟
ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن الأوسمة والاعتراف الدولي بالمؤسسات الأمنية المغربية يحتاج بدوره إلى وضعه في سياقه. فالمغرب حصل خلال السنوات الماضية على إشادات وتعاون أمني مع عدد من الشركاء الدوليين، كما أن مؤشر الإرهاب العالمي 2026 وضع المملكة ضمن الدول التي لم يسجل فيها تأثير للإرهاب خلال الفترة التي يغطيها المؤشر. وبالتالي، فإن تقييم التجربة الأمنية المغربية لا يمكن أن يبنى على تدوينة واحدة، كما لا يمكن أن تحسمه الحملات المضادة، بل يحتاج إلى الوقائع والأرقام والنتائج الموثقة.
وفي المقابل، فإن أي انتقاد للمؤسسات الأمنية يظل حقا مشروعا متى استند إلى معطيات قابلة للتحقق، تماماً كما أن الرد على تلك الانتقادات ينبغي أن يقوم على الأدلة لا على التخوين. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه على هذا النوع من الخطاب هو: أين تنتهي المعلومة وتبدأ الإيحاءات؟ وما الذي يمكن إثباته فعلاً من بين كل ما يتم تداوله؟
وبناء عليه، فإن أخطر ما في هذه القضية ليس اختلاف المواقف، وإنما تحويل الملفات الأمنية إلى مساحة مفتوحة للتلميحات والاتهامات غير القابلة للتحقق. فحين يتعلق الأمر بسمعة أشخاص أو مؤسسات، تصبح المسؤولية الصحفية مضاعفة، ويصبح واجب تقديم الدليل قائماً على كل من يطرح ادعاءً يمكن أن تكون له تبعات خطيرة.
وفي النهاية، لا يحتاج النقاش حول الأمن المغربي إلى لغة التخويف ولا إلى لغة التقديس، وإنما إلى صحافة تضع الوقائع أمام القارئ وتترك له مهمة الحكم. أما الاتهامات المتبادلة، مهما ارتفع سقفها، فلن تحسم شيئاً ما لم تسندها وثائق واضحة وأدلة قابلة للفحص. وفي مثل هذه الملفات تحديداً، تبقى القاعدة الأبسط هي الأقوى: من يملك المعلومة، فليقدم دليله؛ ومن يملك دليلاً، فليضعه أمام الرأي العام.



