في الواجهةكتاب السفير

جرذان في خدمة مسافرين ..!

جرذان في خدمة مسافرين ..!

le patrice

السفير 24 – عبد اللطيف مجدوب 

أقصوصة واقعية تستمد أحداثها من شخوص ينوون السفر عبر أجواء مطارات اسطنبول ومونريال ومحمد الخامس ، سيصطدمون ؛ في هذا الأخير ؛ بعينة من المستخدمين وأفراد آخرين ؛ سيترك الكاتب للقارئ الكريم حرية تسميتهم .

الإقلاع من اسطنبول

كانت الساعة السابعة صباحاً بمطار اسطنبول ، حيث اكتظت باحة واجهته الداخلية بجماهير غفيرة من المسافرين ، تتعثر بهم أمتعتهم وهم يهرولون في اتجاه شبابيك عمليات التسجيل والحجز ، تشي سحناتهم بأنهم مغاربة ؛ في عمومهم ؛ قدموا من أنحاء آسيا وأمريكا ، يريدون صلة الرحم بأقاربهم في المغرب.

  ضج فضاء الطائرة ؛ وهي ما زالت جاثمة على أرضية المطار ؛ بأصوات خشخشة وصك العنابر وتعبئتها بحمولتهم ، كلٌ يريد توضيب شعثه وعفشه وفرزه بلمساته الأخيرة ، لكن سرعان ما ستنحو قليلاً إلى الهدوء في أعقاب وقوف مضيفة شقراء مخاطبة المسافرين أولاً بالتركية فالإنجليزية وأخيراً العربية:

  • “.. الزموا مقاعدكم.. واربطوا أحزمة الأمان ، باشروا وسائد الإغاثة.. وهذا الكابتن م.أوغلو يتمنى لكم سفرا سعيدا على متن خطوط الملاحة الجوية التركية ( Turkish Airlines) .

    دردشة في الفضاء

ما إن استوت الطائرة في سماء أنقرة حتى دبّت من جديد همسات ووشوشات ؛ تجمع أخلاطا لغوية ، يصعب استبيانها في البداية ، لكن ستطغى عليها تدريجيا العامية المغربية ، حينما شرعت عربات الأطعمة تتجول في الممشى بين المقاعد :

  • “الدجاج أم السمك..؟”
  •  ” الدجاج.. شويّا دلحرور… آخويا”
  •  ” آش تشرب..كوكا .. بيبسي..”

امرأة في المقعد الخلفي.. بعد أن نزعت برقوعها:

  • ” الله يعز المغرب.. والطياب اديالو..”
  •  أخرى ملتفتة وهي مقطبة الجبين:
  • ” .. لفراخ..أوكي.. أو كمان البصارا..” 

بينما ارتفع صوت آخر من الخلف ، بنبرة فم صاحبه عاكف على مضغ الطعام بعجالة:

  • ” الماكلا.. الطياب.. والسياحة هل هذا كله هو المغرب ؟ “
  • ” قاطعه آخر من خلف أوراق مجلة ؛ اتخذها عونا له على الاسترخاء وحجب الأضواء:
  • ” الله يهديكم.. المغرب مزيان.. ما قلنا والو.. ولكن شوفوا الإدارة.. الحقوق.. التعليم..”
  • ” يرد عليه شخص بجواره ، كان منشغلا بتخليل أسنانه :
  •  ” هذا شيء موجود في كل بلاد الدنيا.. أنا لم أدع أي مكان في العالم.. وما زال المغرب هو الحب الدائم… واخّا .. واخّا فيه…فيه…”

كان متلعثما ، وكأنه يبحث عن الكلمة التي انفلتت عن لسانه ، لكن سرعان ما ستبادره امرأة تضع نظارة سوداء :

  • ” واخّا فيه لعفن عندو اليدّين والرّجلين..”

   كانت الطائرة التركية ذات الطابقين تحلق على ارتفاع شاهق ، وبعد أن توارت عربات نفايات الأطعمة بين صفوف المقاعد ، خلد الجميع إلى النوم ، ولم يعد يُسمع سوى أزيز يخفت تارة ويختفي أخرى ، في حين كانت هناك شاشة في الواجهة ؛ بين الفينة والأخرى ؛ ترتسم عليها خارطة التحليق من اسطنبول في اتجاه الدار البيضاء ، مرورا بإيطاليا ولاس بالماس.

فجأة ؛ وعلى حين غرة ؛ استيقظوا مذعورين بإحساس وكأن الطائرة تهوي بهم في مكان سحيق ، فعلتْ جلبة وتنهدات ، على إثرها خرجت مضيفة من القمرة ، وهي تحاول تهدئة روع المسافرين:

  • ” نحن نعبر منطقة جوية شهيرة بمثباطها ، رجاء ارتبطوا بأحزمة السلامة ..”

سيرد عليها شخص ملتح قابع في الصفوف الخلفية:

  • ” الله أكبر.. الله أكبر!.. بسلام آمنين.. اقرأوا الفاتحة.. ستختفي حالما ندخل الأجواء المغربية” ، كانت ترمقه بعينين جاحظتين امرأة في الستين ، فمالت على شخص بجوارها محاولة أن تكظم رعبها:
  • “ياإلهي.. ما هذا الذي أرى.. هل سقطت الطائرة بأيدي إرهابيين.. هل صرنا رهائن.. ياإلهي..” ( Oh my God, what is this I see; did the plane fall in the hands of terrorists ? Are we hostages, my God) 

  على أرضية مطار محمد الخامس 

ما إن أخذت الطائرة ينخفض ارتفاعها تدريجيا ، ولاحت معالم برية تتراءى عبر كواتها ، حتى تهللت الوجوه ومالت إلى بعضها وهي ترقب في صمت مخيف ملامسة عجلاتها مدرج المطار .

  تدافعت الحشود باتجاه طوابر ؛ كانت تنتظر بفارغ الصبر التأشير على جوازاتهم ، ومن ثم التوجه رأسا إلى المدراج الآلي الذي لا يكف عن الدوران ، حاملا حقيبة تلو الأخرى ، يطوف بها تحت أعين مسمرة على ألوانها وأشكالها ، كل من حظي بالتعرف على حقيبته يأخذها ويهرول بها في اتجاه البوابة الرئيسية ليعانق سماء ونسمات بلاده..

        أين الحقائب ؟!

  مضت زهاء الساعتين ، إلى جوار دوّار الحقائب ، ولا ظهر بعد عفش أشخاص ظلوا مرابطين هناك ينتظرون الذي يأتي ولا يأتي ، كانوا ؛ في البداية ؛ خمسة أشخاص عادوا يقلبون كفا على كف ، من فرط اليأس وطول الانتظار ، أخيراً قادهم يأسهم إلى استفسار “رجال جمارك ومستخدمين ؛ يغدون ويروحون في باحة الاجراءات الرسمية ، منهم من أحالهم على مصلحة هناك ، ومنهم من أدار ظهره إليهم معبرا بحركات لاإرادية بأن “الأمر” لا يعنيه. هرولوا باتجاه مرفق هناك ، ظهر من شباكه الزجاجي أن هناك شخص قابع في زاوية يلهو بهاتف بين أنامله ، كلما لاحظ أحدهم يحاول استفساره ، دلّه بإيماءة بصرية إلى إعلان مكتوب على الزجاجة :

” إبلاغ عن عدم التوصل بالأمتعة ، وإيداعه” . أحدهم تجشم عناء البحث في “السيستيم” ، فأفاده بأن أمتعتهم بقيت في اسطنبول ، لم تشحن ، لسبب ما زال مجهولا..” .

كانت الساعة جد متأخرة من ليلة جمعة ، وبعض هؤلاء المسافرين ، ما زال يحدوه الأمل في العثور على عفشه ، بيد أن مستخدما بدا عليه عارفا بأسرار”اختفاء الأمتعة ” نصحهم بالعودة بالاتصال في الغد.. إلى حين التأكد من رحلة الطائرة القادمة من مطار اسطنبول .

أحد الضحايا انزوى بجهة هناك ، ينتظر فاستعمل هاتفه يريد الاتصال “بإدارة المطار” ، فباغته صوت بلزوم الانتظار ليتم “ربطه” بالمصلحة المختصة ، حينها شرع يحتج “بأن كل متاعه في حقيبته المفقودة ، حتى من ملابسه الداخلية.. فأنى له المبيت ؟! ” .

    في صباح اليوم الموالي

 اتضح من سحناتهم ؛ وهم ينتظرون معرفة مصير أمتعتهم ؛ أن عددهم يزيد عن عشرين مسافرا ، منهم من قدم من مونتريال كندا ، ومنهم من وفد من مطار هيثرو بالمملكة المتحدة.. مستخدم كان هناك خلف نقالة الأمتعة ، وشوش له أحدهم في أذنه:

  • ” أين هي الأمتعة المفقودة ؟ “
  • ” توجد لدينا منها الآلاف.. ومن الصعب جدا فرز حقيبة بعينها وسط  ركاماتها..” .

ومن فرط الإحساس بالغبن ، تقدم أحدهم إلى جمركي بدا ؛ من خلال بزته ؛ أنه يشغل موقعا مرموقا داخل إدارة المطار ، فبادره:

  • ” سيدي..فقط نريد الاتصال بالمدير.. من فضلك سقنا إليه..” ، وكم كانت دهشة الجميع أمام تصريحه وهو يعلنه جهارا:
  •  “..والله.. لا أعرفه.. ولا سبق لي أن رأيته.. والكذب على الله حرام! ” .

   كلمة السر نحو الأمتعة!

  فاجأهم أحد الضحايا ، قدم لتوه من مكان منزو ، وأعينه تفيض تهليلا وبشارة:

  • ” لقد فك الله سراحي…! ها هي الحقيبة..”
  • ” كيف.. عثرت عليها.. دُلنا…”
  • ” يلزم قليل من التكتم والحذر..”
  •  ” كيف…؟! “
  •  ” صاحب البذلة الرمادية الداكنة هناك.. إنه رئيس مصلحة جناح الأمتعة الوافدة والمفقودة ، يربط الاتصال بأحد معاونيه من الداخل ، لا يتحدث إليك ؛ في قيام بمهمة ؛ إلا إذا دعاك إلى مرحاض.. للشروع في عملية “المفاوضات !” .

صاح أحدهم ، وكان متعجلا:

  • ” أرجوكم.. دعوني أجرب حظي..” . ذهب حتى إذا اقترب منه.. رسم على محياه ابتسامة “الأمن والسلام ” ، ولم يكد يفاتحه حتى أومأ له بالتقدم نحو “المرحاض” :
  •  ” كيف هي حقيبتك.. سأحاول خرق القانون” ، وفي حينه ربط الاتصال بمعاونه: … 

هل تسمعني.. حقيبة أودعناها البارحة.. وفدت من انجلترا.. هيا.. أسرع”

  • ” سيدي..كيف أشكرك ؟! ” 
  • ” قاطعه.. كم ستدفع وإلا… ؟” .

ذاعت”كلمة السر ” (Mot de passe) بين الآخرين.. وكان من بينهم شخصية يحمل حقيبة ديبلوماسية.. سأله جمركي عن هويته فأجاب:

  • ” رئيس محكمة! “، فالتفت إليه أصدقاؤه من الضحايا في وجوم: 
  • ” رئيس محكمة..!.. كيف لا تستغل مركزك هذا لإحضارههم حقيبتك في الحال ؟ ” 
  •  “مهْمه .. وتهْته.. وأفضى بكلمات مبعثرة:
  • ” ..لا .. لا.. أريد تضخيم الأمور.. فعلينا بقليل من الصبر ” ، ثم لاحظ نظرات العتاب تتوجه إليه وأصحابها ينصرفون عنه تباعا.. 

         يسدل الستار على:

 كل تسلم متاعه عبر بوابة “المرحاض” ، وبعد أن شعر رئيس المحكمة بأن عجرفته أبقته وحيدا ، دون تسلمه حقيبته ، ظل إلى حين يراجع ؛ في قلق باد ؛ ساعة معصمه ، وأخيراً قصد في خطوات متثاقلة المرحاض !

 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى