
السفير 24
لم يعد اسم هشام جيراندو مرتبطاً فقط بالمحتوى المثير للجدل، بل أصبح نموذجاً لأسلوب رقمي يقوم على التصعيد والمواجهة واستثمار فضول الجمهور. فخطابه يعتمد، في كثير من الأحيان، على استهداف أشخاص بأسمائهم، وتقديم روايات واتهامات خطيرة بشأنهم، قبل أن تتحول تلك المواد إلى حلقات متتابعة تستقطب المشاهدات والتفاعل.
المشكلة هنا ليست في انتقاد المسؤولين أو كشف الاختلالات، فذلك يدخل في صميم النقاش العمومي، وإنما في الطريقة التي تُقدَّم بها الاتهامات وفي الثمن الذي قد يدفعه الأشخاص المستهدفون عندما تتحول سمعتهم وحياتهم الخاصة إلى مادة للفرجة اليومية.
الابتزاز.. اتهام خطير لا تحسمه الكاميرا
من أكثر الانتقادات قسوة التي تُوجَّه إلى هذا النوع من المحتوى وجود شبهة استخدام التهديد بالتشهير أو كشف المعطيات المسيئة كوسيلة للضغط وتحقيق مكاسب مالية.
وإذا ثبت أن شخصاً يستعمل المعلومات أو المواد المسيئة لفرض المال أو المنفعة على الآخرين، فإن الأمر يتجاوز حدود حرية التعبير ليصبح سلوكاً يستوجب المساءلة القانونية.
لكن الخط الفاصل هنا مهم: الابتزاز جريمة، وإثباتها من اختصاص القضاء، وليس جمهور مواقع التواصل الاجتماعي.
الضحية تتحول إلى مادة للربح
في اقتصاد المنصات الرقمية، لا شيء يجذب المشاهدات مثل الفضائح والصراعات والاتهامات.
وهنا يطرح أسلوب جيراندو سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث عندما تصبح معاناة الأشخاص وسُمعتهم وحياتهم الخاصة وقوداً لمحتوى يدر المشاهدات والتبرعات؟
عندما تُعرض صور الأشخاص وأسماؤهم وملفاتهم أمام آلاف المتابعين، فإن الضرر لا يتوقف بمجرد انتهاء البث. فالمقطع يمكن أن يعاد نشره آلاف المرات، والاتهام يمكن أن يظل عالقاً في نتائج البحث، بينما قد يجد الضحية نفسه مطالباً بالدفاع عن سمعته أمام جمهور لم يسمع روايته أصلاً.
الحقيقة أم تجارة الاتهام؟
الصحافة الاستقصائية الحقيقية لا تقاس بحجم الضجيج الذي تحدثه، وإنما بقوة الوثائق، وتعدد المصادر، والتحقق من المعطيات، ومنح الطرف الآخر حق الرد.
أما إطلاق الاتهامات بصورة متكررة، وتحويل كل خلاف إلى مواجهة مفتوحة، ثم ترك الجمهور يتولى مهمة الإدانة، فيهدد بتحويل المنصة الرقمية إلى ما يشبه محكمة بلا قاضٍ ولا دفاع ولا قواعد للإثبات.
وهنا تحديداً تكمن خطورة اقتصاد التشهير: كلما كانت الاتهامات أكثر إثارة، كان المحتوى أكثر قابلية للانتشار والربح.
المال لا يجعل الاتهام حقيقة
وجود جمهور كبير أو تحقيق مشاهدات مرتفعة لا يمنح أي شخص سلطة إصدار الأحكام على الآخرين. كما أن التبرعات أو العائدات الناتجة عن المحتوى لا يمكن أن تكون معياراً لصحة ما يقال.
فالحقيقة لا تُقاس بعدد المشاهدات، والبراءة لا تسقطها حلقة على الإنترنت، والإدانة لا يصنعها بث مباشر.
وإذا كانت هناك وقائع تتعلق بالابتزاز أو التشهير أو جمع الأموال بطرق غير مشروعة، فإن مكان حسمها هو التحقيق القضائي، حيث تُعرض الأدلة ويُستمع إلى الأطراف وتصدر الأحكام.
جيراندو أمام اختبار المصداقية
قد يكون من حق هشام جيراندو أن ينتقد وأن يكشف وأن يطرح الأسئلة، كما أن من حق الجمهور أن يستمع إليه ويناقش ما يقدمه. لكن هذا الحق يقابله واجب أساسي: احترام الحقيقة وكرامة الأشخاص وعدم تحويل الاتهام إلى حكم نهائي.
أما إذا ثبت أن التشهير أو التهديد أو استهداف الأشخاص استُخدم فعلاً بهدف تحقيق مكاسب مالية، فإن المسألة لن تعود مجرد خلاف في الرأي أو أسلوب إعلامي مثير للجدل، بل ستصبح قضية مسؤولية قانونية وأخلاقية.
وفي زمن أصبحت فيه السمعة تُبنى أو تُهدم بضغطة زر، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام كشف للحقيقة، أم أمام صناعة للاتهام تتحول فيها معاناة الضحايا إلى مصدر للمشاهدة والمال؟
الجواب، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن تحدده الحملات الرقمية، وإنما الأدلة والوقائع والقضاء.



