
السفير 24
لم يكن المشهد الذي أقدم فيه شخصان إسبانيان على تمزيق العلم الوطني المغربي مجرد لقطة عابرة أمام الكاميرات، ولا يمكن اختزاله في تصرف فردي عادي يمر مرور الكرام. فالعلم المغربي ليس قطعة قماش يمكن العبث بها لإشباع نزوة استفزازية أو التعبير عن موقف سياسي، وإنما هو رمز سيادي لوطن عريق، وراية دولة ذات تاريخ ضارب في القدم، وشعار تختزل فيه ذاكرة شعب بأكمله.
وما أقدم عليه الشخصان الإسبانيان يمثل، بكل المقاييس، تصرفا مستفزا ومرفوضا، خصوصا أنه استهدف رمزا وطنيا مغربيا في بلد تربطه بالمغرب علاقات سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية متشعبة. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على السلطات الإسبانية ليس فقط لماذا أقدم هذان الشخصان على تمزيق العلم المغربي، وإنما: كيف تنظر مدريد إلى هذا السلوك؟ وهل تعتبره أمرا عاديا يمكن أن يمر دون أي موقف؟
إن احترام أعلام الدول ورموزها الوطنية ليس مجاملة دبلوماسية، وإنما جزء من أبسط قواعد الاحترام المتبادل بين الشعوب والدول. ومن حق أي شخص أن يختلف مع المغرب، وأن ينتقد سياساته، وأن يعارض مواقفه، وأن يرفع شعاراته السياسية، لكن لا شيء يمنحه الحق في تحويل ذلك الاختلاف إلى إهانة متعمدة لرمز وطني.
ولعل من المفيد أن يعرف من اختار تمزيق العلم المغربي شيئا عن البلد الذي حاول استفزازه. فالمغرب ليس دولة وليدة، ولا كيانا ظهر حديثا على الخريطة. إنه بلد يمتلك تاريخا سياسيا ومؤسساتيا عريقا، وتعود جذور الدولة المغربية إلى الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي، فيما استمرت الملكية المغربية عبر قرون متعاقبة، ولذلك توصف المملكة المغربية بأنها ثاني أقدم ملكية مستمرة دون انقطاع في العالم، لأكثر من اثني عشر قرنا.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن يقدم شخصان على تمزيق علم دولة بهذا العمق التاريخي، وكأنهما أمام رمز بلا تاريخ أو قيمة، بينما الراية التي عبثا بها تحمل في وجدان المغاربة معنى الوطن والسيادة والوحدة والانتماء.
ثم إن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتم تمزيق العلم الوطني المغربي فوق أرض مغربية مستعمرة، سيظل المغرب متمسكا بحقه في استرجاعها ومليلية عاجلا أم آجلا، باعتبار أن قضية السيادة عليهما تظل ملفا تاريخيا ووطنيا مفتوحا؛ ولذلك فإن تمزيق العلم المغربي في هذا السياق لا يمكن اختزاله في مجرد تصرف فردي عابر، بل يطرح أسئلة جدية حول احترام الرموز الوطنية وحساسية القضية، خصوصا أن المغرب وإسبانيا دولتان جارتان تربطهما علاقات استراتيجية ومصالح مشتركة في الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار ومحاربة الجريمة والإرهاب، فضلا عن الروابط الإنسانية والاجتماعية العميقة بين الشعبين، ما يجعل احترام رموز كل دولة وسيادتها أساساً لا غنى عنه لعلاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
ولهذا فإن الصمت الرسمي، إن استمر، يطرح أكثر من علامة استفهام. فهل كانت السلطات الإسبانية ستتعامل بالطريقة نفسها لو جرى تمزيق العلم الإسباني داخل التراب المغربي؟ وهل كانت ستعتبر الأمر مجرد تعبير عن الرأي؟ أم أن الأمر كان سيتحول فورا إلى قضية تستوجب التدخل والتحقيق والمساءلة؟
وإذا كانت مدريد تطالب باحترام علمها ورموزها الوطنية، فعليها أن تفهم أن المغاربة ينتظرون المبدأ نفسه تجاه علم بلادهم. وإذا كانت إسبانيا حريصة على علاقاتها مع المغرب، فإن حماية الاحترام المتبادل بين البلدين تبدأ أيضا من عدم التساهل مع التصرفات التي تستهدف رموز أحدهما.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن موقف سياسي معين، وإنما بالدفاع عن مبدأ بسيط، يمكن أن تختلف مع الدولة، لكن لا يحق لك إهانة شعبها ورموزه الوطنية.
وإذا كان ملف سبتة ومليلية المحتلتين حاضرا في خلفية هذا الاستفزاز، فإن ذلك لا يمنح أحدا رخصة لتمزيق الأعلام. قضايا السيادة والتراب الوطني لا تحسم بالاستفزازات ولا بإتلاف الرايات، وإنما تناقش عبر السياسة والدبلوماسية والقانون والتاريخ.
أما المغاربة، فلا يحتاجون إلى الدخول في معركة مع شخصين اختارا الاستفزاز طريقا للتعبير. فالراية المغربية ستظل أكبر من أيدي من حاول تمزيقها، والتاريخ لا يمكن تمزيقه، والوطن لا يمكن اختزاله في قطعة قماش، مهما كانت مكانة العلم ورمزيته في وجدان أبنائه.
لقد مزقا العلم، لكنهما لم يمزقا تاريخ المغرب. مزقا راية، لكنهما لم يمسا وطنا. وأساؤوا إلى رمز، لكنهما لن يستطيعا إسقاط ما يمثله ذلك الرمز من سيادة وذاكرة وهوية وطنية.
والسؤال الذي يبقى مطروحا اليوم على الحكومة الإسبانية هو: هل ستتعامل مع هذه الواقعة بما يليق بحجم الإساءة إلى رمز دولة صديقة وجارة، أم ستترك الأمر يمر وكأنه مجرد حادث عابر؟
فالعلاقات المغربية الإسبانية تحتاج إلى الاحترام المتبادل، وليس إلى الاستفزاز المتبادل. ومن يريد بناء مستقبل مشترك بين البلدين، عليه أن يفهم أن احترام رموز كل دولة هو الحد الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه.
أما أولئك الذين يعتقدون أن تمزيق العلم المغربي يمكن أن يهز المغاربة، فعليهم أن يدركوا أن الراية قد تتمزق بين الأيدي، لكن الوطن لا يتمزق، والتاريخ لا يمزق، والسيادة لا تمحى بمشهد استفزازي أمام كاميرا.
إنها رسالة واضحة إلى من يعنيه الأمر: احترموا علم المغرب، كما نطالب باحترام أعلام بلدانكم.
فالاختلاف حق، أما إهانة رموز الأوطان فليست بطولة ولا شجاعة، وإنما سلوك لا يليق بعلاقات يفترض أن يحكمها الاحترام وحسن الجوار.



