
السفير 24
في ظرف زمني قصير لا يتجاوز بضع سنوات، برز اسم راقٍ شعبي يلقب بـ”الريفي” في عدد من المناطق مراكش ، بعدما تحول من ممارسة الرقية الشرعية بشكل بسيط إلى شخصية مثيرة للجدل، تحيط بها علامات استفهام كبيرة حول مصادر ثروته المتسارعة، واقتنائه لسيارات فاخرة وعقارات متعددة، في وقت تتزايد فيه الاتهامات المرتبطة باستغلال معاناة المرضى والادعاء بخطف الجن.
وبحسب معطيات متداولة وشهادات متفرقة حصلت عليها “السفير 24” ، فإن هذا الراقي الذي كان في السابق معروفا داخل نطاق محدود، أصبح اليوم يستقبل مئات الحالات أسبوعيا، مقابل مبالغ مالية متفاوتة، تصل في بعض الحالات إلى أزيد من 10 آلاف درهم للجلسة الواحدة، خصوصا بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، الذين يقال إنهم الأكثر دفعا مقابل “جلسات علاج روحاني مكثفة”.
أما داخل المغرب، فتتراوح التسعيرات، وفق نفس المصادر، بين 2000 درهم وما يزيد، حسب طبيعة الحالة المزعومة، وهو ما يثير جدلا واسعا حول مدى شفافية هذه الممارسات، وحدودها بين الرقية الشرعية المعروفة اجتماعيا، وبين ما يعتبره منتقدون “تجارة في الأوهام واستغلالا لحالات نفسية واجتماعية هشة”.
وتشير روايات متداولة إلى أن “الريفي” يعتمد خطابا يقوم على ادعاء التعامل مع حالات “مس جني” معقدة، بل ويذهب في بعض الحالات إلى الحديث عن “خطف الجن” و”سحر مركب”، ما يدفع بعض الأسر إلى الخضوع لجلسات مطولة ومكلفة، أملا في الشفاء أو فك ما يعتقدون أنه ضرر غير مرئي.
وفي المقابل، يرى متابعون أن هذا النوع من الممارسات يستغل ضعف الوعي الصحي لدى بعض الفئات، وغياب التأطير القانوني الصارم لمجال الرقية، مما يفتح الباب أمام تحوله إلى نشاط ربحي غير مضبوط، خاصة في ظل غياب معايير واضحة تفصل بين الممارسة الدينية المقبولة والاستغلال المالي المباشر.
كما يلفت عدد من المهتمين إلى أن الثراء السريع الذي ظهر على هذا الراقي، من خلال امتلاكه لسيارات حديثة وعقارات في فترات وجيزة، زاد من حدة التساؤلات حول طبيعة المداخيل الحقيقية لهذا النشاط، وما إذا كانت تخضع لأي مراقبة أو تصريح ضريبي، أم أنها تظل خارج أي إطار تنظيمي واضح.
وفي ظل هذا الجدل المتصاعد، يطالب البعض بضرورة فتح نقاش مجتمعي وقانوني حول تنظيم مجال الرقية، ووضع ضوابط صارمة تمنع استغلال المرضى، وتحمي الأسر من الوقوع في فخ الوعود العلاجية غير المبنية على أسس علمية، خاصة في الحالات النفسية والعصبية التي تتطلب تدخلا طبيا متخصصا.
وبين مؤيد يرى في هذه الممارسات امتدادا لمعتقدات دينية واجتماعية راسخة، ومعارض يعتبرها بابا واسعا للربح غير المشروع، يبقى اسم “الريفي” عنوانا لجدل متجدد يعكس إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين الإيمان، المرض، والمال في المجتمع.
وفي الحلقة المقبلة، ستتوقف “السفير 24” عند حالة أخرى لراقٍ يثير الجدل بثروته المتنامية ونمط عيشه اللافت، وسط تساؤلات حول طبيعة نشاطه ومداخيله ومدى خضوع هذا النوع من الممارسات للمراقبة والتأطير القانوني. وسنحاول، بالاستناد إلى المعطيات والوثائق المتاحة، تفكيك مسار هذا الثراء، والبحث في الكيفية التي تحولت بها معاناة بعض المرضى إلى مصدر دخل، في وقت يجد فيه عدد من ممارسي الرقية أنفسهم في مساحة رمادية بين الممارسة الدينية والعمل التجاري، بعيدا عن الضوابط التي تحكم المهن الصحية المنظمة.
يتبع..



