كتاب السفيركلمة السفير

الهويةُ المغربيةُ بين الدولةِ والأمّة

الهويةُ المغربيةُ بين الدولةِ والأمّة

le patrice

السفبر 24 – ذ. عبدالفتاح العقيلي

قراءةٌ في عودةِ سؤالِ الهويةِ إلى الواجهة

تعود الهوية المغربية في هذه السنة إلى صدارة النقاش العام، لا كترفٍ فكريٍ في ندواتٍ أكاديميةٍ محدودة، بل بوصفها سؤالًا يُطرح من تحت، من لسان جيلٍ شابٍ رفع شعار “لا يمين لا يسار، يجمعنا حبُّ الوطن”، ومن خلال نقاشاتٍ فكريةٍ تُعيد قراءة الأمازيغية والأندلس وإفريقيا. ثلاثةُ مداخلَ متزامنةٍ تجعل سؤال الهوية ليس مسألة “مكوّنات” بل مسألة “بناءٍ مركَّب” يُوشك أن ينحلّ حين تدّعي كلُّ جهةٍ منه أنها هي المركز.

والسؤال الذي يطرحه هذا المقال: هل المغربيُّ “إمّا/أو”، أم أنه تاريخيًا كان “وأيضًا”؟

ليست الهوية سؤالًا مجرّدًا يُطرح في غرف البحث، بل هي في لحظاتٍ كهذه رهانٌ عمليٌّ على طبيعة العقد الاجتماعي، وعلى الكيفية التي يتعرّف بها المغاربة على أنفسهم أمام تحديات المرحلة: مونديال 2030، والملف الترابي، والتحولات الجيلية، والنقاشات الثقافية. من يُجيب عن السؤال اليوم، يُجيب ضمنًا عن أسئلةٍ أبعد تخصّ الإدماج، والعدالة المجالية، وشكل الدولة التي نريد.

أوّلًا: لماذا يعود السؤالُ الآن؟ ثلاثُ لحظاتٍ متزامنة

في نهاية 2025، خرج شبابٌ مغاربةٌ إلى الشوارع تحت اسم “جيل Z 212″، رافعين مطالب الصحة والتعليم والكرامة. ما لفت الأنظار في شعاراتهم ليس بعدها المطلبي فحسب، بل رفضهم الصريح لأن تُوظَّف حركتُهم سياسيًا أو أيديولوجيًا. “لا يمين لا يسار، يجمعنا حبُّ الوطن” — شعارٌ بسيطٌ في عباراته، عميقٌ في دلالته. فهو يُؤكّد أنّ ثمّة انتماءً أسبقَ من الانقسامات السياسية، انتماءً إلى المغرب بوصفه “أمّةً” قبل أن يكون “دولة”. هذه هي اللحظة الأولى.

وفي الشهور ذاتها، صوّت مجلس الأمن الأممي لصالح قرارٍ وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي لأقاليمه الجنوبية بأنه الحلُّ الأكثر قابلية للتطبيق. وبمعزلٍ عن البُعد الدبلوماسي، فإن هذا التطور أعاد طرح سؤال طبيعة “المغرب الترابي”: هل يُفهم في إطار وطنيةٍ حديثةٍ مرتبطةٍ بالحدود المرسومة، أم في إطار أمّةٍ ممتدّةٍ تاريخيًا تضمّ أطيافها المتعددة بروابط أعمق من الجغرافيا؟ هذه هي اللحظة الثانية.

واللحظة الثالثة قادمةٌ من المشهد الثقافي: نقاشاتٌ متعددةٌ في 2025 و2026 حول الأمازيغية ومكانتها، والأندلس وإرثها، والصحراء وانتمائها، وإفريقيا وامتداد المغرب فيها. كلّها نقاشاتٌ تتقاطع في سؤالٍ واحد: ما المغربيّ؟ وحين يُطرح هذا السؤال بهذه الحدّة، يُنتج استقطاباتٍ لم يعرفها المغاربة بهذا العمق من قبل، حيث يجد كلّ فريقٍ نفسه مدفوعًا إلى الدفاع عن “مكوّنه” على حساب غيره، وكأنّ الهوية لعبةٌ محصّلتها صفر.

ثانيًا: رباعيةُ المغرب — الأطروحاتُ المتنافسةُ وحدودُ كلٍّ منها

حين نتأمّل النقاش الدائر حول الهوية المغربية اليوم، نُلاحظ أنّه يدور داخل خريطةٍ من أربع أطروحاتٍ كبرى، يُضيف إليها بعض المعلّقين أطروحةً خامسةً صاعدة. وكلُّ أطروحةٍ من هذه الأطروحات لها أنصارها وحججها ومرجعياتها، ولا ينبغي مقاربتها بمنطق “الخطأ والصواب”، بل بمنطق “الجزء والكلّ”. فالمشكل الحقيقي ليس في الأطروحات ذاتها، بل في مَيل كلٍّ منها إلى اعتبار جزئها الكلَّ، وإلغاء ما عداه. وفيما يلي قراءةٌ منصفةٌ لكلٍّ منها، تُقدّر حقيقتها دون أن تتبنّاها حصرًا.

يُطرح سؤال الهوية المغربية اليوم في إطار أربع أطروحاتٍ كبرى، لكلٍّ منها حقيقتُها الجزئية وخطورتُها حين تدّعي الكلّية.

الأطروحة الأولى: الهوية الأمازيغية. وتقول إن الأمازيغية هي الأصل السابق على كل وافد، وإن عناصر الهوية الأخرى (العربية، الإسلامية، الأندلسية) طبقاتٌ تُضاف لكنها لا تُلغي الأصل. وفيها من الحقيقة أن الأمازيغية ليست طبقةً تاريخيةً تحت السطح، بل نسيجُ السطح ذاته؛ أي أنّ الكلام الأمازيغي واللسان الأمازيغي والحساسية الأمازيغية قِوام المغرب اليومي لا مجرد ذكرى. لكنّ خطورة هذه الأطروحة تبدأ حين تقول: “الأمازيغيُّ هو المغربيّ، وما عداه دخيل”، وتحوّل التعدد التاريخي إلى هرميةٍ عرقية.

الأطروحة الثانية: الهوية العربية-الإسلامية. وتقول إنّ المغرب انصهر في الحضارة الإسلامية العربية منذ الفتح، وإنّ ما قبل ذلك “تاريخ” لا “انتماء”. وفيها من الحقيقة أن العربية لسانُ الدين والعلم والإدارة في المغرب منذ أكثر من اثني عشر قرنًا، وأنّ التصوّف والفقه المالكي والعقيدة الأشعرية كلّها أُنتجت بهذا اللسان وامتدّت به إلى إفريقيا والأندلس. لكنّ خطورتها تبدأ حين تُقصي ما قبل الفتح، أو تُعامل الأمازيغية بوصفها “فلكلورًا” لا لسانًا حيًا، أو تُختزل الإسلامَ المغربي في بُعدٍ عربيٍ محض.

الأطروحة الثالثة: الهوية الأندلسية-المتوسطية. وتقول إنّ المغرب أخٌ توأمٌ للأندلس، وامتدادٌ ثقافيٌّ للبحر المتوسط، وأنّ هذا الانتماء يُغلَّب على أي بُعدٍ آخر. وفيها من الحقيقة أنّ ابن رشد وابن العربي الحاتمي والشاطبي وابن البنا المراكشي وابن خلدون كلَّهم جزءٌ من تاريخٍ متّصلٍ عبور فيه بين العدوتين، وأنّ الموسيقى والعمارة والمطبخ المغربية تحمل بصمةَ الأندلس إلى اليوم. لكنّ خطورتها أنها قد تُفرّغ المغرب من امتداده الجنوبي، وتقصره على ذاكرةٍ انتقائيةٍ تتجاهل نصف التاريخ.

الأطروحة الرابعة: الهوية الإفريقية. وتقول إنّ المغرب إفريقيٌّ في جغرافيته وعمقه الاستراتيجي، وإنّ حواضر التجارة والعلم المغربية كسجلماسة وتمبكتو وشنقيط كلَّها شواهدُ على عمقٍ جنوبيٍ لا يمكن إنكاره. وفيها من الحقيقة أنّ امتداد الطرق الصوفية كالقادرية والتيجانية والشاذلية صنع جسورًا روحيةً بين المغرب وغرب إفريقيا لم تُفسخ حتى اليوم. لكنّ خطورتها أن تُستعمل لأغراضٍ سياسيةٍ آنية تُختزل بها التجربة الحضارية العميقة.

وبين هذه الأطروحات الأربع تظهر أطروحةٌ خامسةٌ صاعدة في السنوات الأخيرة هي “الأطروحة الكونية الحداثية”، التي لا تُنكر هذه المكوّنات لكنها تضعها جميعًا خلف انتماءٍ أسبق هو المواطنة الحديثة بوصفها هويةً أساسيةً. وفي هذه الأطروحة حقيقةٌ هي أن المغربي اليوم يُمارس هويته في سياقٍ عولميٍّ لا سبيل إلى تجاهله. لكنّ خطورتها أنّها قد تُفرّغ المواطنة ذاتها من مضمونها الحضاري، فتصير قوالبَ قانونيةً بلا روح. فالمواطنة لا تكون حقيقيةً إلا حين تستند إلى ذاكرةٍ مشتركةٍ ومرجعيةٍ حضاريةٍ متّفقٍ عليها.

الخطأ في هذه الأطروحات ليس فيما تقوله كلٌّ منها، بل فيما تنفيه. كلُّ واحدةٍ تحمل جزءًا من الحقيقة، وخطورتُها تبدأ حين تدّعي أنها الحقيقةُ كلُّها. وقد نبّه أمين معلوف في كتابه “الهويات القاتلة” إلى هذا التحوّل الخطير في مفهوم الهوية: أن تُختزل في مكوّنٍ واحدٍ فتصير سلاحًا بدل أن تكون غنى، وتُصبح جدارًا بدل أن تكون جِسرًا.

ثالثًا: المبدأُ الذي صنعَ الوحدة — التركيبُ لا الانصهار

إذا أردنا أن نفهم كيف ظلّ المغرب موحّدًا بهذه المكوّنات الأربعة عبر قرون، لزمنا أن نُميّز بين مفهومَين متقاربَين لكنهما مختلفان في الجوهر: الانصهار والتركيب. الانصهار يعني أن تذوبَ العناصر كلُّها في عنصرٍ واحدٍ فيختفي التمايز. والتركيب يعني أن تبقى العناصر متمايزة، لكن بينها رابطٌ من نظامٍ أعمقَ يمنحها وحدتها دون أن يُلغي خصوصيتها.

المغرب تاريخيًا لم يكن بلدَ انصهار، بل بلدَ تركيب. المغربيُّ يتكلّم الأمازيغية ويُصلّي بالعربية، ويتغنّى بالأندلسيات، ويُصافح ضيفه السينغالي أو الموريتاني بالتقدير ذاته. هذا التركيب لم يُنتج فوضى، بل أنتج هويةً مركَّبةً ذات مركزٍ واضحٍ ومحيطٍ منفتح. والمركز الذي صنع الوحدة تاريخيًا لم يكن “عرقيًا” ولا “لغويًا” محضًا، بل كان “روحيًا-حضاريًا”: التصوفُ المغربي، والفقهُ المالكي، والعقيدةُ الأشعرية، ومؤسسةُ إمارة المؤمنين. هذه الأربعة شكّلت النظام الذي يضمّ التنوع ولا يُلغيه.

يقول ابن خلدون في “المقدمة” ما معناه إنّ العصبية في المغرب لم تكن يومًا عصبيةَ عِرقٍ محض، بل عصبيةَ قبيلةٍ تُؤطَّر بدينٍ ومذهبٍ ودولة. وبهذا المعنى، كان المغاربة يجدون رابطَهم ليس في “الدم” بل في “العقد”: عقدُ بيعةٍ بين السلطان والرعية يتأسّس على الشرعية الدينية والتاريخية معًا. وهذا النموذج الذي أسماه بعض المؤرخين “نموذج التركيب” هو الذي أنتج المغرب الذي نعرفه.

وحتى الزوايا الكبرى في تاريخ المغرب كانت بُنى تركيبيةً بامتياز: تستقبل الأمازيغيَّ والعربيَّ، الفاسيَّ والسوسيَّ، الإفريقيَّ والأندلسيَّ، على قدم المساواة. الطريقة القادرية والشاذلية والتيجانية والدرقاوية كلُّها كانت فضاءاتٍ يتلاقى فيها الناس فوق انقسامات العرق واللسان. ولم تُنتج هذه الزوايا “مغربًا واحدًا مسطَّحًا”، بل مغربًا مركَّبًا يحتوي التنوعَ دون أن يستسلم له. ولعلّ هذا هو جوهر العبقرية المغربية التي تنتظر اليوم من يُعيد اكتشافها.

وفي العصر الحديث، جاء دستور 2011 ليُقنّن هذا التركيب في صيغةٍ قانونيةٍ مؤسّسية، حين نصّت ديباجته على أنّ الهوية المغربية “الموحّدة بانصهار كلّ مكوّناتها: العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسّانية”، وعلى روافدها “الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”. هذه الصياغة الدستورية ليست مجرّد إنشاءٍ قانوني، بل تكريسٌ للمبدأ الذي يحكم الهوية المغربية منذ قرون: التعدد في الوحدة، والوحدة في التعدد. والتحدّي اليوم هو أن تنتقل هذه الصياغة من النصّ المكتوب إلى الممارسة اليومية، ومن الاعتراف الرسمي إلى الوجدان الجمعي.

غير أنّ هذه اللحظة تواجه تحدّيًا جديدًا لم يعرفه المغاربة بهذه الحدّة من قبل: صعود المنصّات الرقمية التي تُكافئ الخطاب الأكثر استقطابًا وتحجب الخطاب الأكثر تركيبًا. فالخوارزميات تُفضّل الصراخ على الحوار، والاختزال على التفصيل، و”إمّا/أو” على “وأيضًا”. ونتيجة ذلك أنّ النقاش حول الهوية المغربية في الفضاء الرقمي كثيرًا ما يأخذ شكلَ مبارزاتٍ بين أطروحاتٍ مغلقةٍ، بدل أن يأخذ شكل بحثٍ مشترك. ومسؤولية النخبة الفكرية اليوم أن تعيد إنتاج فضاءاتٍ للحوار المركَّب خارج منطق المنصّات، وأن تُذكّر بأنّ بلدًا كالمغرب لم يصنعه في التاريخ مَن كانوا يصرخون أعلى، بل مَن كانوا يُركّبون أفضل.

خاتمة

الهوية المغربية اليوم في امتحان. ليس لأن مكوّناتها في صراع، بل لأن الخطاب الذي يتناولها يميل إلى أن يجعل منها “إمّا/أو” بعد أن كانت تاريخيًا “وأيضًا”. الأمازيغية ليست بديلًا عن العربية، والعربية ليست بديلًا عن الأمازيغية، والأندلسي لا ينفي الإفريقي، والحداثة لا تمحو التراث. المغربيُّ الذي يُراد منه أن يختار بين هذه المكوّنات يُطلَب منه أن يكون أقلَّ ممّا هو.

والسؤال المطروح على النخب الفكرية المغربية اليوم ليس “أيُّ مكوّنٍ هو الأصلي؟”، بل “كيف نُعيد إنتاج المبدأ الذي جعل التعدد وحدةً لا تشظّيًا؟”. هذا المبدأ، كما أبرز التاريخ، كان روحيًا في جوهره ومؤسّسيًا في تجلّياته. ومن دون إحياء الروح، تبقى المؤسسات أوعيةً فارغة. ومن دون المؤسسات، تبقى الروح حُلمًا لا يتحقّق. فالمطلوب جمعهما معًا كما جمعهما المغاربة دائمًا.

المغربيُّ ليس “إمّا/أو”. هو “وأيضًا”. وقوةُ هذا البلد التاريخيةُ أنه لم يختر يومًا بين مكوّناته، بل تعلّم كيف يُركّبها. من هذا التركيب وُلدَ كلُّ ما نعتزُّ به. وفي صيانة هذا التركيب تكمن مسؤوليةُ الجيل الذي يُكتَب له أن يعيش هذه اللحظة الفارقة في تاريخ البلاد.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى