
السفير 24 – بقلم: ذ. ساجد المصطفى
في إطار الإجراءات التنظيمية الخاصة بتظاهرة بطولة كأس إفريقيا للأمم (CAN) والتي تم تنظيمها بالمغرب، تمت عملية برمجة ووضع شاشات عرض كبرى، ذلك بعدة مدن مغربية، بهدف تمكين المواطنين من مشاهدة المباريات وتتبع فقراتها. لكن ما يثير الاستغراب والتساؤل هو الإقدام على وضع شاشة كبرى بمحاذاة الباب الرئيسي لكلية الحقوق بالمحمدية.
ولقد نجم عن هذا القرار المفاجئ مجموعة من المضايقات والازعاجات عمقت من معاناة الفاعلين الجامعيين أساتذة وطلبة وموظفين، وذلك من خلال الصوت المنبعث من شاشة العرض المرتفع والمزعج للفاعلين بالمؤسسة الجامعية المذكورة وكل المجاورين لها، بالإضافة الى عرقلة عملية ولوج ومغادرة سيارات الفاعلين الجامعيين للمدخل الرئيسي للمؤسسة أو ركنها بالباركينغ المخصص لفائدتها، والذي لم يسلم بدوره من المنع والتحكم من طرف عناصر وزارة الداخلية والقوات العمومية، وتدبيره بطريقة تحكمية ضدا على إرادة الفاعلين الجامعيين وأحقيتهم والعمل على إبعاد سيارات الفاعلين الجامعيين بواسطة الديباناج نحو أماكن أخرى سببت تجاوزات ومعاناة لأصحابها عبر عملية البحث الشاقة عنها، خاصة وأن هذه التظاهرة الرياضية تتزامن مع فترة تنظيم واجتياز امتحانات الدورة الخريفية.
فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح وبحدة هو لماذا تم الترخيص لنصب هذه الشاشة الكبرى بمحاذاة الكلية في استهثار واضح بحرمة المؤسسة الجامعية ومكانتها وهيبتها، وترك هذه الشاشة تتسبب في إزعاج الفاعلين الجامعيين والزج بالفضاء في إطار أساليب بائدة من المنع والتحكم من طرف مصالح خارجية، التي من المفروض أن تراعي وتحترم طبيعة وقدسية الفضاء الجامعي؟ (Sacralité du campus universitaire) ذلك أن احترام المؤسسة الجامعية واجب من المفروض التحلي به وفرضه، كما أن حرمتها تأتي ضمن الاعتبار الأول مما يقتضي التصدي لكل ما من شأنه المساس بحرمتها ورمزيتها والتبخيس من قيمتها كصرح للعلم والمعرفة وبالتالي الإقدام على التنكيل بمعنويات وحقوق الفاعلين بها. فالمؤسسة الجامعية، كصرح علمي ومعرفي، تفقد حرمتها عندما يتم اختراقها وتجاوزها من طرف مصالح خارجية، كمصالح وزارة الداخلية التي تغلب الهاجس الأمني على حساب قدسية الجامعة العمومية التي تتمتع بمكانة ورمزية قوية في الدول التي تجعل من إنتاج العلم والمعرفة أولوية قصوى بالرجوع الى العلاقة الوطيدة والحتمية ما بين الإنتاج العلمي والتنمية الشاملة.
إذ لا يحق لرئيس الجامعة ورئيس المؤسسة الجامعية أن تمنح لهما صلاحيات التأشير لوحدهما على مثل هذه القرارات، بحيث أنه المفروض على مصالح واختصاصات المؤسسات الجامعية تدبيرها من طرف مجالس الجامعات ومجالس المؤسسات، والتي يجب الاخذ برأيها في مثل هذه القضايا ومن حقها الضغط بقوة للدفاع عن حرمة الجامعة ولصيانة حقوقها المعنوية والرمزية، وأيضا لمكانة الفاعل الجامعي ودوره.
فأين نحن من ذلك الماضي الذي كان يحظى خلاله الفاعل الجامعي بالرمزية والمكانة اللائقين، إذ لم يكن يسمح لكرامته أن تبخس أو تداس قيمته، وأين نحن من حرصه التاريخي على التمسك بمبادئ وقيم الجامعة المغربية، في تصديه للممارسات والاختراقات التي تحاول النيل من سمعة الجامعة ومن سمعة فاعليها وهي الوقائع والشواهد التي تفسر سر قوة العمل النقابي عبر توظيف أسلحته التنديدية والاستنكارية و كل أشكال المقاومة والمواجهة للحيلولة دون المساس بقدسية الحرم الجامعي؟
فعملية التأشير على وضع الشاشة الكبرى بمحاذاة الباب الرئيسي للكلية، والرضوخ التام لتصورات وأهداف السلطات المحلية والمركزية، هو إشارة صريحة على أن إستراتيجية الاحتفال والترفيه التي أصبحت تحظى بالاهتمام الأكبر، من طرف ذوي القرار والتخطيط واعتبارها كأولويات، لدليل قاطع على أن إستراتيجية البحث العلمي والابتكار والتحصيل الأكاديمي تقع خارج دائرة اهتماماتها وأن الدوس على قدسية الحرم الجامعي شيء مباح أمام أولويات أخرى .
ففي دول العالم الثالث أصبح، للأسف، من العادي تبخيس قيمة المعرفة والبحث العلمي ووزن المثقف والفاعل الجامعي في ظل مناخ سياسي وتدبيري يتمحور حول أهداف استمرارية احتكار السلطة والثروة، استمرارية الهيمنة التي تظل الهدف الرئيسي لذوي التخطيط والقرار.
في هذه الدول، التي لا تبالي بأية أولوية للبحث العلمي والمعرفة، يتم تهميش وتقزيم مكانة ودور ووزن منتج العمل والمعرفة، علما أن منابع وحجم ثروة الفئة النافذة المهيمنة لا تتأثر بنسب النمو الاقتصادي الجد مرتبط بالبحث العلمي، وبالتالي فإن فاعل الإنتاج المعرفي والعلمي يبخس دوره ومكانته في بيئة وطقوس للتدبير والتخطيط تتنافى مع أهداف وآثار المعرفة والبحث العلمي في تشجيع القطاعات المنتجة، وليست القطاعات التي تخدم أجندة ذوي النفوذ، التي تدفع الى المنافسة الحرة ضدا على اقتصاد الريع والامتيازات والتي تخلق فرص الشغل وتعجل بسلك طريق النمو والتنمية الشاملة التي تخدم الإنسان وبيئته وتعمل على احترام حقوقه وتغطية تكاليفه.
هذا الوضع أو المآل الذي صارت إليه الجامعة يفسر بالملموس ضعف ولامبالاة الهياكل الجامعية والنقابية التي لم يعد من شأنها الاهتمام بالأضرار المعنوية وكل ما يمس السمعة والدور الريادي والأكاديمي للجامعة العمومية، والتي أصبحت صورتها ومعها صورة الفاعل الجامعي تمرغ في التراب بهدف النيل من رمزيتها وضرب صورتها وبالتالي الإجهاز على ما تبقى من حضورها وصيتها.
فالفاعل الجامعي لم يعد يبالي بعواقب هذه الممارسات على صورته وعلى وزنه وقيمته الرمزية بعدما تحولت المؤسسات الجامعية الى تربة خصبة لتفاقم التطاحنات وتناميها على خلفية التهافت المصلحي والطموحات الغريبة والفائضة عن اللزوم والتسابق نحو المناصب والمسؤوليات الإدارية (رؤساء الجامعات والمؤسسات وحاشياتهم من ذوي المسؤوليات الإدارية )، وشغل المناصب العلمية لإدارة المختبرات وكذا البيداغوجية عبر تنسيق التكوينات، وأيضا الاهتمام الزائد بما له علاقة بالزيادات في الأجور والترقيات وسلم الدرجات والمطالبة بخلق درجات جديدة… كل ذلك كما لو أن المسار المهني لا ارتباط له بظروف الاشتغال وبالحقوق المعنوية أو بمبادئ المصلحة العامة والتي أصبحت منعدمة ومنتهية الصلاحية ولم تعد عنصرا محفزا لدى ذوي المسؤوليات الإدارية والعلمية والبيداغوجية ولدى أعضاء الهياكل الجامعية والمكاتب النقابية، والتي أصبحت للأسف غالبا ما تصطف بجانب أجندة وأهداف رؤساء الجامعات ورؤساء المؤسسات التابعة لها.
هذه المصلحة العامة التي تغيب تماما عندما يعمل أعضاء الهياكل الجامعية و النقابية على تغليب المصالح والأغراض الشخصية والفئوية وتترك بالتالي تمركز القرار بيد رؤساء الجامعات والمؤسسات الذين يتحولون الى “رؤساء محميات” كتربة خصبة للتجاوزات والتواطؤات واستعراض العضلات، وذلك حتى من طرف جهات خارجية لا علاقة لها بقطاع التعليم العالي، كما هو حال الجهة التي لم تعير أدنى هاجس أو احترام لطبيعة المكان ورمزيته من خلال التجرؤ على وضع شاشة كبرى بمحاذاة مؤسسة جامعية مع كل ما صاحب ذلك من منع وإزعاجات ومس بقدسية الحرم الجامعي !
وليذهب الهم الجامعي الى الجحيم… !
استاذ بكلية الحقوق بالمحمدية*



