
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في بلد يعيش منذ سنوات تحت ضغط نقاش لا يهدأ حول الهجرة، قد يبدو مفاجئا أن يعلن 68% من الفرنسيين أنهم يحملون صورة إيجابية عن المغرب، بحسب استطلاع أخير لمؤسسة IFOP–Fiducial لصالح Sud Radio. لكن المفارقة لا تكمن في الرقم ذاته بقدر ما تكمن في قدرته على الإفلات من مناخ الشك العام الذي يطبع علاقة الفرنسي بالآخر. فبينما تتراجع صورة بعض الجنسيات المغاربية في المخيال الفرنسي، يبدو أن المغرب — لأسباب عميقة ومعقدة — يحتفظ بمكان خاص في الإدراك العام.
التحليل يكشف أن الأمر لا يتعلق بمجرد «تعاطف ثقافي»، بل بتراكم طويل لعلاقات ناعمة وفعّالة بين البلدين. فالجالية المغربية، رغم حجمها الكبير، تنظر إليها في الشارع الفرنسي على أنها جالية هادئة، منسجمة، ومنتجة؛ حاضرة في التجارة، في الخدمات، في المهن الحرة، وفي الحياة اليومية، لكن دون صدام أو استعراض. وهذا ما يجعل كثيرين من الفرنسيين يصفون حضور المغاربة بأنه «طبيعي» و«مطمئن» مقارنة بصور أكثر توترا لجنسيات مغاربية أخرى.
حتى في التحليل الاجتماعي، يتكرر تفسير لافت: يرى عدد من المختصين في شؤون الهجرة أن المغرب يتمتع بصورة «مرتبطة بالموثوقية» — سواء في التعاون الأمني، أو في ملفات الهجرة، أو في العلاقات الاقتصادية. وهذا الإدراك الشعبي ليس بعيدا عن الإدراك السياسي؛ فكثير من الفرنسيين يعتبرون المغرب بلدا مفهوما وقريبا وجاذبا للسياحة، بعكس دول لا تزال صورتها محملة بإرث سياسي وعاطفي أكثر حدة.
وتشير أبحاث الرأي إلى أن الفرنسيين الذين زاروا المغرب، حتى مرة واحدة، يميلون إلى منح المملكة صورة إيجابية أعلى بكثير من المتوسط الوطني. والسبب، وفق تحليل الاستطلاع، أن «التجربة المباشرة» — سواء في مراكش أو أكادير أو طنجة أو غيرها— تبني صورة تستند إلى الاستقرار والضيافة والنظافة والتنظيم والتنوع الثقافي… عناصر لا تتوفر دائما في المنطقة المغاربية بالدرجة نفسها.
أما اللافت أكثر فهو أن هذا الانطباع الإيجابي لا يقتصر على فئة سياسية بعينها: اليمين، اليسار، والوسط جميعهم يظهرون ميلا متقاربا في تقييم المغرب. وهذه نقطة نادرة في فرنسا 2025، حيث كل شيء تقريبا أصبح مادة للاستقطاب.
وتمكن المغرب وسط هذا المشهد، ورغم كل الضجيج الذي يرافق النقاش حول الهجرة في فرنسا، أن يحافظ بنجاح — من دون حملات علاقات عامة مكثفة — على رصيد رمزي ناعم داخل المجتمع الفرنسي. صورة مستقرة، هادئة، ومبنية على خبرة يومية أكثر من كونها مبنية على خطابات سياسية. وهو ما يفسر لماذا يواصل المغاربة — أفرادا ودولة — احتلال مساحة إيجابية في الخيال الفرنسي، في وقت تتعرض فيه جنسيات أخرى لتآكل واضح في صورتها العامة.



