في الواجهةكتاب السفير

حرية التعبير بين مطرقة التضييق وسندان الفساد

حرية التعبير بين مطرقة التضييق وسندان الفساد

le patrice

السفير 24 – حيمري البشير / الدنمارك

الشعب الذي يعاني من غياب حرية التعبير هو شعب لا قيمة له. سيصبر على كل المحن والمصائب التي تحلّ به، لكنه لن يقبل بالإهانة ومصادرة حقوقه في الشغل والعيش الكريم، خصوصاً عندما يتابع ما يجري في العالم عبر القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي لحظة بلحظة.

الشعب المغربي، كغيره من شعوب العالم، فخور بامتداده الحضاري الذي تجاوز أربعة عشر قرناً. إنه شعب عصيّ عن قوى التخريب والهدم الخارجية، شعب لا يخضع ولا يستسلم، خصوصاً ضد كل من يريد قيادة البلاد إلى الهاوية. فقدان المصداقية والغيرة على الوطن من طرف بعض القيادات السياسية ظهر جليّاً من خلال ممارسات كشفتها الأقلام والأصوات الغيورة، والتي فضحت تورّط وزراء يمتلكون شركات ويستفيدون في الوقت نفسه من دعم الدولة.

ومن يريد معرفة الحقيقة فما عليه إلا متابعة ما كشف عنه الصحفيون الشرفاء، الذين أُلّب عليهم حتى من خُلق لحماية حرية التعبير في المجتمع المغربي. هذا الإطار فقد كل مصداقية لدى الشعب لأنه أصبح الذراع الذي يُسكت الأصوات الشريفة، من خلال إسقاط صفة الصحفي بنزع بطاقته وإسكات صوته وتسهيل محاكمته، وترك المجال للأصوات التي تخدم أجندة بارونات الفساد وتشويه الحقائق مقابل المال.

إن ما يتعرّض له حميد المهداوي مسلسل لا يخدم الاستقرار في البلاد، بل يخدم أجندة بارونات الفساد والنهب وأعداء الديمقراطية وحرية التعبير. لا نريد للمغرب أن يسير بوجهين مختلفين، ولا أن يعيش الشعب بين متناقضات جهوية وفوارق اجتماعية. ومن أجل ضمان الاستقرار، علينا حماية الأصوات الغيورة على حرية الصحافة، التي تنطق بالحقيقة وتكشف المستور.

وإذا كان جلالة الملك قد أشار في إحدى خطبه إلى ضرورة محاربة الفوارق الاجتماعية في سياسة الحكومة، فمعناه أن هناك خللاً في التدبير الحكومي، وأن الرسالة لم يستوعبها الإطار المكلَّف بالمشهد الإعلامي والصحفي ببلادنا، والذي أصبح — من منظور الكثيرين — إطاراً لإسكات الأصوات التي تنطق بالحق وتكشف المستور.

ولتخليق الحياة العامة، فنحن بحاجة إلى تغيير في التدبير الإعلامي والصحفي، ولسنا بحاجة إلى إطار يعمّق الجراح من خلال تجويع الأصوات التي تفضح الفساد بسحب صفة وبطاقة الصحافة عنها. نحن لا نريد إطاراً يلجم الأصوات الحرة، بل إطاراً يدعم حرية التعبير ويعزّز قيم الديمقراطية ويحمي الأصوات التي تنطق بالحق، صوت الشعب الذي يريد دعم الديمقراطية وحماية صورة البلاد في الخارج.

إن ما وقع في المدة الأخيرة كان بادرة خير حلحلت الوضع السياسي، وإن كان البعض يراها انتفاضة إعلامية سبقت انتفاضة شعبية، فإنني أعتبرها صحوة ضرورية لتربية جيل ينطق بالحقيقة ويرفض الفساد والنهب. ولعل خطاب وزير الداخلية وحملة الإقالات والاعتقالات التي بدأت هي بداية حقيقية لمحاربة المفسدين ومحاكمتهم ومصادرة وإرجاع كل الأموال المنهوبة، وبالتالي بداية للقطع مع سياسة دفع الشعب المغربي ثمنها غالياً.

يجب الضرب بيد من حديد، والرحمة لا تجوز في حق الذين أساؤوا لصورة البلاد ونهبوا الأموال بغير حق. الشعب المغربي سيقف مصفّقاً لدعم سياسة الدولة في استرجاع الأموال المنهوبة ومحاكمة المفسدين. ولن يسكت بعد اليوم عن الوزراء أصحاب المشاريع المستفيدين من دعم الدولة، ولا عن السياسيين الذين يزاوجون بين المشاريع والتدبير الحكومي ويستفيدون من المال العام.

وأخيراً وليس آخراً، فإن استعمال العصا والتضييق على الحريات وإسكات الأصوات الحرة والشريفة التي تدعم حرية التعبير والديمقراطية خط أحمر. لن يقبل أحد بإسكات هذه الأصوات أو تجويعها أو لجمها.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى