دوليةفي الواجهةكتاب السفير

سقوط حكومة.. وصعود أخرى: ماكرون يكسب معركة الوقت ويخسر معركة المعنى

سقوط حكومة.. وصعود أخرى: ماكرون يكسب معركة الوقت ويخسر معركة المعنى

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

إيمانويل ماكرون لم ينتظر حتى تبرد مقاعد قاعة البرلمان بعد سقوط فرانسوا بايرو، حتى عاجل الفرنسيين بتعيين سيباستيان ليكورنو وزيرا أول جديدا. أربع وعشرون ساعة فقط بين سقوط حكومة وصعود أخرى، كأن السياسة الفرنسية تحولت إلى برنامج تلفزيوني سريع الإيقاع: “من سيخرج؟ ومن سيدخل؟” والنتيجة دائما نفسها: الرئيس يختار، والبرلمان يتفرج.

المعارضة لم تفوّت الفرصة. اليسار صرخ: “هذه ليست جمهورية، هذه مسرحية سيئة الإخراج”، بينما اليمين المتطرف وجد دليلا إضافيا على أن ماكرون يعيش في “فقاعة فوقية”، بعيدا عن إرادة الشعب، مطالبا بحل البرلمان وإعادة الكلمة للناخبين. حتى اليمين المحافظ، الذي عادة يزن كلماته بميزان الذهب، لم يستطع إخفاء امتعاضه، فأشار إلى أن الاستقرار لا يصنعه تبديل الوزراء كما تبدل قمصان كرة القدم، بل يبنى على توافقات متينة.

السرعة هنا ليست مجرد تفصيل إداري، بل قضية سياسية بامتياز. في ألمانيا مثلا، حين تغيرت الحكومات، كانت المشاورات تمتد أسابيع طويلة حتى لا يقال إن القرارات تطبخ في ليل القصور. أما في فرنسا، فالأمر يشبه وجبة “فاست فود”: سريعة، مشبعة بالرمزية، لكنها قد تترك وراءها عسر هضم سياسي واجتماعي.

ماكرون يدرك أن الفراغ أخطر من التعيين السريع. لكن المفارقة أن هذا التعيين قد يخلق فراغا من نوع آخر: فراغ الشرعية. فالفرنسي الذي خرج إلى الشارع في احتجاجات “السترات الصفراء” ورفض إصلاح التقاعد، لن يقتنع بأن تغيير الاسم في قصر ماتينبون كافٍ لتهدئة غضبه. بل ربما يرى في ذلك استفزازا جديدا: رئيس يعاند الزمن ويقرر وحده، متجاهلا برلمانا مقسّما وأحزابا غاضبة.

الخطر الأكبر يكمن في أن المعارضة، بكل أطيافها، ستستغل هذا “الاستعجال الماكروني” كذخيرة سياسية. سيقال إن الرئيس يفضل السرعة على الديمقراطية، والقرارات الفردية على التشاور، وإنه يحكم كما لو كان في “شركة ناشئة” لا في جمهورية عمرها قرون. والمضحك المبكي أن هذه التهمة تجد صدى لدى الفرنسيين، الذين لم يعودوا يثقون في طبقتهم السياسية، ويرون في كل تعيين مفاجئ مجرد حلقة جديدة من مسلسل طويل عنوانه: “تبديل الوجوه، لا تبديل السياسات”.

صحيح أن ماكرون كسب معركة الوقت لكنه ربما خسر معركة المعنى. فالتاريخ السياسي لا يتذكر سرعة القرارات بقدر ما يحاسب على نتائجها. وإذا لم ينجح ليكورنو في لعب دور رجل الإطفاء داخل حكومة ملتهبة، فقد يسجل هذا التعيين كأسرع قفزة نحو أزمة أكبر، لا كخطوة ذكية لتفاديها.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى