أقلام حرة

التاريـــــــخ والتـــــــــراث..قـراءة في برنامج التاريخ بالسلك الثانوي الإعدادي

السفير 24 | بقلم : عزيز لعويسي

يكتسي التراث – بشقيه المادي واللامادي- أهمية بالغة في حياة الأمم والشعوب لما يضطلع به من وظائف متعددة المستويات في طليعتها بناء الذاكرة وصون الهوية من خلال مختلف التجارب والخبرات والإبداعات التي أفرزتها الأجيال السابقة في مختلف حقول الحياة ، والتي تنتقل بسلاسة عبر الأجيــال، بشكل يقوي لحمة الدولة ويعزز إحساس المواطن بالإنتماء إلى وطن واحد متعدد الثقافات، ودون الخوض في تفاصيل التعاريف التي قاربت مفهوم “التراث” من رؤى وزوايا مختلفة ، فلا مناص من القول أن “التراث” هو مفهوم “مطاطي” يتمدد ليسع كل ما أنتجته وأبدعته الأجيال السابقة عبر التاريخ في كافة مناحي الحياة من فكر وآداب وسياسة واجتماع واقتصاد وأنماط عيش وطقوس ومعتقدات وموسيقى وفولكلور ورقصات وأهازيج ولباس ومعمار و أواني وقطع خزفية ونقدية وكتب ومخطوطات و رسائل وغيرها ، وعلى ضوء ذلك يمكن أن نميز بين التراث المادي (كل أشكال المعمار من مدن ومساجد وأسوار وقلع وحصون ومستشفيات ومدارس وأبواب وحدائق و حمامات شعبية … إلخ ) والتراث اللامادي (أنماط عيش ،تقاليد وعادات ،طقوس، موسيقى ،فولكلور شعبي، رقصات، مواسم، زواج، نظم،لباس، أزياء عسكرية …إلخ ) كما يمكن أن نميز بين التراث الوطني والجهوي والمحلي أو بين التراث العربي والأندلسي الأمازيغي والحساني والإفريقي أو بين التراث الإسلامي واليهودي والمسيحي أو بين التراث الشفهي أو التراث الكتابي أو المكتوب أو التراث الطبيعي … إلخ ، لكن ورغم اختلاف التفرعات والأنماط التراثية ، فهي تتوحد وتتقاطع حول مرآة واحدة تعكس بصمات الأجيال السابقة في صرح الحضارة المغربية التي تتفرد عن غيرها بتعدد روافدها التي تتنوع بين العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والإسلامية واليهودية والمتوسطية، فضلا عن تأثيرات الحضارات القديمة كالفينيقية والقرطاجية والرومانية ، وهذا الغنى والتنوع صقل الهوية المغربية ومنحها طابعا خاصا ، جعلها تبدو كشجرة وارفة الضلال جذورها تمتد في عمق التاريخ وأغصانها مرنة تستوعب كل أشكال التنوع والاختلاف ، و إذا كان الفعل التراثي يرتبط بالماضي ، فهو في ذات الآن يحيى ويتعايش في الواقع الراهن رغم تعقد أساليب العيش والتفكير مقارنة مع السابق ، وذلك بكل تجلياته وتعبيراته من قبيل المدن العتيقة والمساجد الجامعة و المدارس و الأبواب و الأسوار و الأبراج أو من خلال الموسيقى والرقص والفولكلور أو من خلال الساحات العمومية أو الحمامات الشعبية أو الفانتازيا “تبوريدة” أو من خلال الكتب والمخطوطات أو القطع النقدية أو الخزفية أو كل أشكال اللباس (جلابة، سلهام،قفطان…) إلخ ، وهنا تثار العلاقة بين “التراث” و بعض العلوم والتخصصات ذات الصلة ، وفي طليعتها “التاريخ” الذي ينفرد عن غيره بكل الوسائل والأدوات ما يجعله قادرا على التفاعل الإيجابي مع” التراث” ، وفق علاقة تفاعلية تجعل التاريخ علما ناقلا وحافظا لمختلف التعبيرات التراثية ، ومن “التراث” مجالا خصبا يزود المؤرخ بمادة العمل الخام من كتب ومخطوطات وسجلات ونقود وآثار مادية وموروث لا مادي … إلخ ، ودون الخوص في تفاصيل العلاقات التفاعلية الرابطة بين التاريخ والتراث والتي تشكل مجالا خصبا لعدد من الحقول المعرفية (تاريخ وحضارة ، علم الاجتماع ، الأنتروبولوجيا،علم الآثار …إلخ) ، واعتبارا لأهمية التراث في صون الذاكرة وحماية الهوية ، واستنادا للأدوار والوظائف التي يمكن أن يضطلع بها “التاريخ” عموما و”التاريخ المدرسي” خصوصا في تمكين المتعلم(ة) من التعرف على تراث بلاده بكل تعبيراته وتشكيلاته بشكل يقوي الهوية ويوثق الاحساس بالانتماء إلى وطن واحد يستدعي الحفاظ على موروثه من الضياع والاندثار خاصة في ظل المؤثرات الخارجية وفي مقدمتها العولمة الجارفة العابرة للدول والحدود التي أضحت تشكل أكبر تهديد للثقافات الوطنية والمحلية ، سنقارب موضوع التراث انطلاقا من برنامج التاريخ بالسلك الثانوي الإعـــدادي ، من خلال رصد وتتبع مدى حضور البعد التراثي في الدعامات الديدكتيكية المعتمدة في بناء برنامج التاريخ بهذا السلك ، في انتظار تخصيص مقال لاحق مستقل نلقي من خلاله الضوء على الفعل التراثي في برنامج السلك التأهيلي ،وقد تم الاعتماد في ذلك على منهجية ذات بعد عمودي تم من خلالها مقاربة برنامج التاريخ بالسنة الأولى ثانوي إعــدادي في مرحلة أولى ، وبرنامج السنة الثانية في مرحلة ثانية ، ثم برنامج السنة الثالثة في مرحلة ثالثة وأخيرة ، على أساس أن يكون الختم عبر رصد بعض الاقتراحات التي من شأنها تجويد البرنامج ككل بشكل يجعله ينفتح على الأبعاد التراثية المغربية عبر التاريخ بالقدر الذي ينفتح على الأبعاد السياسية وبدرجات أقل الاقتصادية ثم الاجتماعية .

أولا : السنة الأولى ثانوي إعدادي :

برنامج التاريخ بالسنة الأولى ثانوي إعدادي أفرد للتاريخ ما مجموعه “إثناعشر” (12) درسا موزعة بين محورين إثنين ، يلقي الأول منهما الضوء على”نماذج من الحضارات القديمة” (حضارة بلاد الرافدين ، حضارة مصر القديمة،الحضارة الإغريقية ، المغرب القديم : الفنيقيون والقرطاجيون ، المغرب القديم : الممالك الأمازيغية ومقاومة الرومان) ومحـور ثان خصص لإبراز “إشعاع الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط”.
تتبعا لمواضيع هذه الدروس ، يلاحظ أن “المغرب القديم ” خصص له درسان من أصل مجموع دروس البرنامج ككل(12 درسا) الأول منهما تحت عنوان “المغرب القديم : الفينيقيون والقرطاجيون” (الدرس الرابع /كتاب التلميذ(ة) فضاء الاجتماعيات ، ص 22) والثاني تحت عنوان “المغرب القديم : الممالك الأمازيغية و مقاومة الرومان” (الدرس الخامس / كتاب التلميذ(ة) فضاء الاجتماعيات ، ص 27) ، أي ما نسبته 16,66% مقابل نسبة 83,33% بالنسبة لما تبقى من الدروس ، وهي نسبة تبدو محدودة لا تصل حتى إلى الربع ،أخدا بعين الاعتبار غنى وثراء حضارة المغرب القديم الممتدة في عمق التاريخ.

واستقراء لأنشطة الدرسين معا ، يلاحظ أن الدرس الأول بني وفق أهداف تعلمية ترمي في مجملها إلى الإحاطة بالفينيقييـن والقرطاجيين الذين وفدا على المغرب القديم من حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال التركيز على ما مارساه من مبادلات تجارية و أنشطة صناعية (الوثيقة 3: ص 24) ، وبالتالي فالمغرب القديم يحضر في هذا الدرس كمجال شكل مركز إشعاع لحضارات وشعوب دخيلة (الفينيقيون، القرطاجيون، الرومان) ، بشكل يجعل المتعلم(ة) بعيدا كل البعد عن رصد وتلمس تراث “الأمازيغ” (كلمة تطلق على السكان الأصليين لشمال إفريقيا) من تقاليد و عادات ونظم وقوانين وموسيقى ورقص وأنماط عيش و طقوس ومعمار و فنون وغيرها ، وعلى المستوى المعماري يسجل تغييب بعض المدن والمراكز التجارية التي تعود إلى هذه الحقبة القديمة، كتلك التي أسسها “حانون” على السواحل المغربية (لكسوس (العرائش) ، تيماتيريون (المهدية)، صوليس …إلخ) (الوثيقة2 ، ص 25) ، وكان من المفروض وضع المتعلم(ة) في صلب البعد المعماري ، من خلال التركيز على إحدى هذه المدن (لكسوس نموذجا) ،كما يسجل تغييب لما خلفه الاحتلال الروماني للمغرب القديم من آثار (وليلي، شالة…)، دون إغفال باقي التعبيرات التراثية المغربية القديمة في مجال النظم و التقاليد والعادات وأنماط العيش والموسيقى واللباس والأعياد والحفلات وغيرها.

أما الدرس الثاني (الدرس الخامس : /كتاب التلميذ(ة) فضاء الاجتماعيات ، ص 27)، فقد خصص للممالك الأمازيغية (قبائل أمازيغية عاشت في شمال إفريقيا، التحمت فكونت ممالك حوالي 200 ق.م) ومقاومة الرومان ، ويسجل أيضا في هذا الدرس تغييب البعد التراثي المغربي الأمازيغي على مستوى الشمال الإفريقي في “موريطانيا” (القسم الشمالي من المغرب الأقصى) كما في “نوميديا” (أراض تمتد شرقا من قرطاجة إلى نهر ملوية غربا) ، باستثناء بعض الإشارات المحتشمة التي وردت في سياق الحديث عن التاريخ السياسي العام ، من قبيل التنظيم القبلي (الوثيقة 1 : ص 28) وطبيعة النظام السياسي في كل من “موريطانيا” (موريطانيا الشرقية ،موريطانيا الغربية) و “نوميديا” و اتحاد “موريطانيا” و”نوميديا” (الوثيقة 2 : ص 28) ، وإنجازات بعض الملوك الأمازيغيين على المستوى الفلاحي والعسكري (الوثيقتان 4و5 : ص 29) فضلا عن المقاومة الأمازيغية الشعبية للاحتلال الروماني ، وهي مقاومة تعكس عمق ارتباط الأمازيغ بالأرض والهوية والتاريخ المشترك.

لكن وخلافا لذلك، وتتبعا لأنشطة الدروس الأخرى المخصصة لباقي الحضارات القديمة، يلاحظ أنها أحاطت بشكل مقبول بالأبعاد التراثية على التوالي لحضارة بلاد الرافدين (الكتابة المسمارية ، قانون حمو رابي …) ، حضارة مصر القديمة(الأهرامات، العمارات الجنائزية ، النظم السياسية …) الحضارة الإغريقية (الفلسفة، العلوم، الأنظمة السياسية (الديمقراطية، الأرستقراطية )، الألعاب الأولمبية …)، في إطار جملة من الأهداف التعلمية التي تضع المتعلم(ة) في صميم ما أنتجته هذه الحضارات القديمة بكل أبعادها التراثية المادية واللامادية مما جعلها تشكل أساسا صلبا للحضارة الإنسانية ، ومحدودية حضور التراث الأمازيغي في برنامج التاريخ بالثانوي الإعدادي ، يسمح بطرح التساؤلات التالية :

-هل هذه المحدودية مردها تغييب مقصود للتراث الأمازيغي ؟

-هل لأن الممالك الأمازيغية لم ترق إلى مستوى إنتاج حضارة بقوة وعمق حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة وبلاد الإغريق ؟

-هل يرجع ذلك لشح الكتابات التاريخية والأبحاث الأثرية التي من شأنها بلورة مكانة وقيمة حضارة المغرب القديم ؟

-أم أن خضوع المغرب القديم لتأثيرات الفينيقيين والقرطاجيين والرومان ،أذاب بشكل أو بآخر “جليد” الهوية الأمازيغية وفرض عليها الانصهار في حضارات شعوب دخيلة وافدة من حوض البحر الأبيض المتوسط؟
ومهما كانت طبيعة الأجوبة عن هذه الأسئلة وغيرها، ومهما كان تدخل”الأجنبي” في مسار تطور”المغرب القديم”، فمن المؤكد أن “الممالك الأمازيغية” تأثرت في مراحل تاريخية مختلفة بحضارات البحر الأبيض المتوسط وتفاعلت معها، وأمكن لها بالتالي إفراز حضارة ثرية متعددة الروافد، لا مفر من تقريب جوانبها للمتعلم(ة) لما لذلك من حفظ للذاكرة وصون للهوية ،سواء تعلق الأمر بالتراث المادي (مدن، أسوار، تحصينات …) أو اللامادي (طقوس،عادات،تقاليد،أنماط عيش،لباس،موسيقى، رقص ، قوانين، مؤسسات، تنظيمات …)، وهذه الرؤية المتعدة الزوايا ستسمح للمتلعم (ة) بالتموقع في زمن الحضارات القديمة وتتيح له فرصة تقييم حضارة الأمازيغ مقارنة مع الحضارات الأخرى المتزامنة معها من جهة، ولما لذلك من مقاصد وغايات ترميي إلى التعرف على أسس ومرتكزات الهوية الوطنية وجدور الحضارة المغربية الضاربة في القدم من جهة ثانية .

ثانيا : السنة الثانية ثانوي إعدادي :

إذا كان برنامج التاريخ بالسنة الأولى يرتبط بالتاريخ القديم ، فإن برنامج السنة الثانية يلقي الضوء على جوانب متفرقة من العصرين الوسيط والحديث ، وقد قسم بدوره إلى محورين ، كل محور من ستة (6) دروس ، يخص الأول منهما “الدولة المغربية في العصر الوسيط والحديث”(الدولة الإدريسية – ازدهار الدولة المغربية: المرابطون والموحدون-تراجع الجهاد وبداية حرب الاسترداد- الغزو الإيبيري ورد فعل المغاربة – الدولة العلوية وإعادة توحيد البلاد: التأسيس -المغرب بين الانفتاح والانغلاق)، والثاني يغطي جانب من العصر الحديث عبر تغطية مواضيع و مجالات متفرقة من العالم (الإمبراطورية العثمانية-النهضة الأوربية –الاكتشافات الجغرافية –الثورة الفلاحية والثورة الصناعية في أوبــا –الثورة الفرنسية وليدة فكر الأنوار – نشأة الولايات المتحدة الأمريكية) ، مما يفيد أن المحور الأول بأكمله قد خصص لرصد الأوضاع العامة بالمغرب في العصرين الوسيط والحديث بما نسبته 50% من البرنامج ككل .

-باستقراء الدرس الأول “الدولة الإدريسية من خلال وثائق تاريخية” (كتاب التلميذ(ة) النجاح في الاجتماعيات ، ص 8) بإمكان المتعلم(ة) أن يلامس بعض الجوانب التراثية المغربية زمن الأدراسة من قبيل “أجهزة الدولة” على المستوى الإداري والعسكري (الوثيقة 5، ص9) ورصد تاريخ بناء مدينة فاس وتصميمها وأبرز معالمها الدينية والإدارية والدفاعية (الوثيقتان :8،7 – ص 10) دون إغفال أهم وأبرز صرح ديني علمي يميز مدينة فاس ويتعلق الأمر بجامع القرويين (الوثيقة9، ص11)، وبلغة الأرقام فقد خصصت للتراث المادي ما نسبته 4/9 في غياب تام لأي شكل من أشكال التراث اللاماي.

– الدرس الثاني ” ازدهار الدولة المغربية : المرابطون والموحدون” (كتاب التلميذ(ة) النجاح في الاجتماعيات ، ص 12) ، فهو يلقي الضوء على جوانب مهمة ومشرقة من التاريخ المغربي ، اعتبارا لقوة وثراء حضارة المرابطين والموحدين على جميع المستويات (سياسيا،اقتصاديا،عسكريا، فكريا،معماريا…) ، وبالتالي كان من الأجدر تفريد كل دولة بدرس خاص ، لكن وبالرجوع إلى الأنشطة التعلمية للدرس ،يلاحظ أنها جاءت غارقة فيما هو “سياسي” ، لكن يمكن أن نستشف من خلال الوثائق بعض المعطيات التي من شأنها أن تقدم فكرة عن إشعاع الدولة المغربية في زمن المرابطين والموحدين ،من خلال مثلا “بيوغرافيا يوسف بن تاشفين” (الوثيقة3) المؤسس الحقيقي للدولة المرابطية وباني مدينة مراكش ، لكنها معلومات ومعطيات شحيحة للغاية ، ولا تعكس عمق الحضارة المرابطية التي تميزت في عدة مجالات ومن ضمنها الجانب المعماري الذي يغيب بالمرة ، وكان على الأقل تخصيص نشاط حول مدينة مراكش باعتبارها عاصمة الدولة المرابطية ومركز قرار وإشعاع ، أما الدولة الموحدية التي بسطت نفوذها وسيطرتها على مجال واسع امتد حتى الأندلس ، وباستثناء بيوغرافيا ” تشير إلى المكانة العلمية لمحمد بن تومرت”من خلال انتاجاته الفكرية ومن ضمنها كتاب “أعز ما يطلب” (الوثيقة8 ، ص15) ، فقد تم حرمان المتعلم(ة) من فرصة التعرف على واحدة من أقوى الإمبراطوريات المغربية التي تركت حضارة تميزت بالعظمة والثراء ، ويكفي أن نذكر بناء جامع الكتبيين بمراكش وبناء رباط الفتح وجامع حسان وقصبة الأوداية والمسجد الجامع بقصبة إشبيلة بالأندلس وغيرها من المعالم المعمارية البارزة ، وقد كان من المفروض على الأقل تخصيص وثائق تعرف المتعلم(ة) بتحفة المعمار الديني الموحدي (جامع الكتبيين بمراكش ، المسجد الجامع بقصبة إشبيلية بالأندلس، جامع حسان برباط الفتح ) أو وثيقة تعرف بمسجد “تينمل” الذي يؤرخ لبدايات دولة ارتقت إلى مستوى الإمبراطورية.

– الدرس 3″تراجع الجهاد وبداية حرب الاسترداد” (كتاب التلميذ(ة) النجاح في الاجتماعيات ، ص 17)

يرصد جوانب من الإشعاع الحضاري للدولة المرينية في الميدانين المعماري والفكري، وكلها ترتبط بالجانب المعماري ، ويتعلق الأمر ببناء “فاس الجديد” من طرف أبو يوسف يعقوب وما يرتبط بذلك من معالم (سور، قصر، الجامع الأعظم، السوق، الدور، تشييد القصور الضخمة، جلب الماء …) (الوثيقة7 ، ص19) ،إضافة إلى صورتين لمدرستين مرينيتين بفاس واحدة للمدرسة البوعنانية والثانية لمدرسة العطارين (الوثيقتان 8-9 ، ص 19) ، وهذه الدعامات أخدت ما نسبته 30% من مجموع الدعامات المعتمدة في الدرس.

-الدرس4 “الغزو الإيبيري ورد فعل المغاربة : معركة وادي المخازن ودلالاتها من خلال وثائق ودلالات “
(كتاب التلميذ(ة) النجاح في الاجتماعيات ، ص 23)
هذا الدرس يلقي الضوء على وضعية حرجة من تاريخ المغرب ميزها الغزو الإيبيري (الإسباني والبرتغالي) على بعض المدن الساحلية المغريية ، وعلى ضوء ذلك، فقد جاءت الدعامات الديدكتيكية المعتمدة عاكسة بالأساس للتطورات السياسية البارزة التي ميزت هذه المرحلة التاريخية المضطربة ، ولم تكن هناك ضرورة لإدراج دعامات تعكس الأوجه الأخرى ومن ضمنها الوجه التراثي ، لكن لا يمكن تجاوز هذا الدرس دون استحضار “معركة وادي المخازن” التي لا زالت تشكل نقطة مضيئة في التاريخ العسكري المغربي ليس فقط لأن الجيش المغربي ألحق هزيمة مذلة بالجيش البرتغالي ، ولكن أيضا لأن المغاربة أبانوا عن ردة فعل قوية تجسدت في توحدهم بكافة أطيافهم (علماء،رجال الدين، عموم الشعب) من أجل حماية الوطن من كل اعتداء ، وماعدا ذلك يسجل غياب تام للجانب التراثي في هذا الدرس ، مما يضيع على المتعلم(ة) فرصة التموقع في زمن الحضارة المغربية أيام السعديين .

-الدرس5: الدولة العلوية وإعادة توحيد البلاد: التأسيس (كتاب التلميذ(ة) النجاح في الاجتماعيات ، ص 27)
الدرس يرتبط أشد الارتباط بالجوانب السياسية المرتبطة أساسا بظروف قيام الدولة العلوية وبعض الأعمال والمنجزات التي قام بها السلطان المولى إسماعيل في سبيل بناء أسس الدولة وتقويتها ، وبالتالي فالجانب التراثي لم يحض بالاهتمام المطلوب بالنظر إلى غنى العهد الإسماعيلي ، حيث لم تخصص له إلا دعامتين ، الأولى عبارة عن صورة لقصبة “بولعوان” وصورة لفارس من البواخر (الوثيقة 6/ص28) والثانية عبارة عن نص تاريخي يلقي الضوء على جانب من أعمال المولى إسماعيل ذات الصلة ببناء مدينة مكناس وأبوابها وأبراجها وتجهيزاتها العسكرية .(الوثيقة7/ص29)، وبلغة الأرقام خصصت للتراث نسبة 20% من مجموع الدعامات المعتمدة في بناء الدرس (عشر(10)دعامات).

-الدرس6: المغرب بين الانفتاح والانغلاق. (كتاب التلميذ(ة) النجاح في الاجتماعيات ، ص 34).

الدرس يرصد جوانب من السياسة الخارجية المغربية في العهد العلوي،والتي تأرجحت بين الانفتاح (عهد سيدي محمد بن عبدالله) والانغلاق (المولى سليمان)، وفق هدفين تعلميـيـن تم تنزيلهما عبر ما مجموعه “إثنتاعشر”(12) دعامة ديدكتيكية تنوعت بين النصوص التاريخية و الصور والجداول و الخريطة التاريخية ، وباستقراء هذه الدعامات ، يمكن التوقف عند دعامتين إثنتين تلقيان الضوء على جوانب من التراث المادي العلوي في عهد السلطان سيدي محمد بن عبدالله ، ويتعلق الأمر بالأساس ببناء وتجديد مجموعة من المدن في طليعتها بناء الصويرة التي وضع تخطيطها المهندس الفرنسي “كورنو” (Cornut ) (الوثيقتان : 1/ص 31 ، 3 /ص32) ، وبلغة الأرقام خصص الدرس ككل للجانب التراثي المادي ما نسبته 16 ,66% مع تسجيل غياب أية دعامة تضع المتعلم(ة) في صلب بعض أعمال السلطان المولى سليمان ذات البعد التراثي ، وهي نسبة ضعيفة بالمقارنة مع أفرزته المرحلة من أعمال تراثية متعددة المستويات .

ثالثا : السنة الثالثة ثانوي إعدادي :

يتمحور برنامج السنة الثالثة ثانوي إعدادي حول التاريخ المعاصر ، وقد قسم بدوره إلى محورين إثنين ، يتكون الأول منهما من ستة (6) دروس (ازدهار الرأسمالية الأوربية خلال القرن 19م ،الإمبريالية وليدة الرأسمالية،الضغط الاستعماري على المغرب، الحرب العالمية الأولى:الأسباب والنتائج، انهيار الإمبراطورية العثمانية والتدخل الاستعماري في المشرق العربي، أزمة 1929: الأسباب، المظاهر، النتائج) ، والثاني خصصت له خمس(5) دروس (ظاهرة الأنظمة الديكتاتورية: دراسة حالة النازية ، الحرب العالمية الثانية: الأسباب والنتائج ، القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ، المغرب : الكفاح من أجل الاستقلال وإتمام الوحدة الترابية ، المراحل الكبرى لبناء الدولة المغربية الحديثة ) ، إضافة إلى ملف في نهاية البرنامج حول “المقاومة المغربية” ، ومن خلال هذه البرمجة يلاحظ أن المغرب خصصت له ثلاثة(ة) دروس من أصل إحدى عشر درسا ، ويتعلق الأمر على التوالي بالدرس الثالث “الضغط الاستعماري على المغرب” (كتاب التلميذ(ة) التجديد في الاجتماعيات ، ص 20) و الدرس العاشر”المغرب : الكفاح من أجل الاستقلال وإتمام الوحدة الترابية” (كتاب التلميذ(ة) التجديد في الاجتماعيات ، ص 62) و الدرس الحادي عشر “المراحل الكبرى لبناء الدولة المغربية الحديثة” (كتاب التلميذ(ة) التجديد في الاجتماعيات ، ص 68)، بالإضافة إلى ملف حول المقاومة المغربية ، بما نسبته 27 ,27% ، واعتبارا لطبيعة الفترة الزمنية التي يغطيها موضوع البرنامج (التاريخ المعاصر) ، فقد جاءت كل الوحدات الدراسية (الدروس) غارقة في المتغيرات السياسية، انسجاما مع خصوصيات مرحلة حرجة من تاريخ المغرب من سماتها البارزة “الضغوط الخارجية ” و”الاستغلال الاستعماري “و”الكفاح من أجل الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية “و”بناء لبنات الدولة الحديثة” ، بشكل يجعل”بوصلة” الأهداف التعلمية مصوبة بشكل كلي نحو”السياسي”، دون إتاحة أية إمكانية أمام المتعلم(ة) ،ليتعرف أيضا على خصوصيات هذه المرحلة في بعدها التراثي.

إذن وعلى ضوء المعطيات السالف ذكرها، يتضح أن التراث الوطني أو الجهوي لا يحضى بما يستحق من عناية أو اعتبــار داخل الفضاءات المدرسية لا على مستوى المناهج والبرامج التعليمية، ولا على مستوى الأندية المدرسية التي لازالت حبيسة بعض القضايا النمطية كالبيئــة والتربية على المواطنة وحقوق الإنسان وغيرها، وعليه يمكن للمدرسة العمومية أن تنفتح على عوالم وقضايا التراث سواء الوطني أو الجهوي، من خلال جملة من التدابير منها على سبيل المثال لا الحصر :

-لابد من إعادة النظر في المناهج والبرامج الدراسية وفق رؤية شمولية تستحضر البعد التراثي الوطني ، وذلك عبر تنزيل جملة من الوحدات الدراسية (دروس) في جميع المواد والتخصصات (تاريخ، جغرافيا، لغات، تربية إسلامية، فلسفة …إلخ) تضع المتعلم(ة) في صلب التراث الوطني من حيث أشكاله وتعبيراته وأهميته في حفظ الذاكرة وصون الهوية وتحقيق التنمية الشاملة .

-إعادةالنظر في برنامج التاريخ بالسلك الثانوي الاعدادي وفق رؤيــــــة متعددة الأبعاد والغايات والمقاصد ، تخدم التراث الوطني بكل امتداداتـه المجالية (إسلامي، عربي، أندلسي، أمازيغي، حساني، يهودي، إفريقي، متوسطي) وبكل تشكيلاته الموضوعاتية المادية (مدن عتيقة ، مساجد جامعة ، أسوار، قلع ، حصون ، مستشفيات ،مدارس …إلخ) واللامادية (موسيقى، رقص، فولكلور، لباس، أنماط عيش، تقنيات، طقوس، عادات، أعياد، حفلات، مواسم، مؤسسات، نظم…إلخ).

-التفكير في خلق مادة أو تخصص جديد – قائم الذات – بعيدا عن المواد والتخصصات التقليدية المدرسة في التعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي ، من قبيل مثلا : “مادة التراث” أو “مادة الحضارة المغربية الإسلامية “أو “العمارة المغربية عبر التاريخ”، “المدينة المغربية عبر التاريخ” … إلخ .

-في إطار تفعيل الجهوية المتقدمة ، لابد من إدراج وحدات دراسية تعرف بالتراث الجهوي ( مادة التاريخ والجغرافيا نموذجا) ، تمكن المتعلم (ة) من التعرف على التراث الجهوي الذي تزخر به الجهة التي ينتمي إليها (تموقع المتعلم(ة) في الزمن والمكان).

-تفعيل أدوار الأندية المدرسية ، بشكل يجعلها تنفتح على حقل التراث بكل تعبيراته (معمار، لباس، فولكلور، موسيقى ، طقوس ، أنماط عيش ، مؤسسات … إلخ ) .
-خلق شراكات مع جهات مختصة (كليات الآادب ، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، المندوبية السامية للمقاومة و أعضاء جيش التحرير ، مؤسسة أرشيف المغرب ، المجتمع المدني … إلخ ) من شأنها أن تعرف المتعلم (ة) بالتراث الوطني وأهمية المحافظة عليه .

تأسيسا على ما سبق واعتبارا لتحديات العولمة ـ وانسجاما مع فلسفة ومقاصد الوثيقة الدستوريــــة التي أكدت تشبت المغرب بصيانة تلاحم مقومات الهوية الوطنية الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية-الاسلامية،والأمازيغية،والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدهـــا الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية (تصدير دستور 2011)، أصبح الاهتمام بالتراث الوطني ضرورة ملحة من أجل حمايته من الزوال والاندثار، ليـــس فقط لأنه يحفظ التاريخ ويصون الهويــــة، ولكن أيضــــا من أجل جعل هذا التراث قاطرة لتحقيق التنمية الشاملة في بعديها الوطني والجهوي، لذلك فمسؤولية الاهتمام بالتراث بكل تعبيراته، تتحملها كل الجهات من ضمنها المدرسة العمومية كمؤسسة تنشئة اجتماعية تتميز عــن غيرهــا بقدرتهـــا على التأثير بل وعلى بناء شخصية المتعلم(ة) على جميع المستويات (معرفيا،وجدانيــا،حقوقيا ،قيميا …إلخ، وهذا المقصد لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الاعتراف بالتراث على مستوى المناهج والبرامج.

أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي التأهيلي بالمحمدية، باحث في القانون وقضايا التربية والتكوين.
Laaouissiaziz1@gmail.com

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى