في الواجهةأقلام حرة

مناقشة الحصيلة الحكومية بالمغرب: بين منطق الإنجاز وحدود المحاسبة

مناقشة الحصيلة الحكومية بالمغرب: بين منطق الإنجاز وحدود المحاسبة

le patrice

السفير 24

تُعدّ مناقشة الحصيلة الحكومية في المغرب لحظة سياسية ودستورية مهمة، لأنها تسمح بتقييم ما أنجزته الحكومة مقارنة بما وعدت به عند بداية ولايتها. غير أن هذه اللحظة، التي يفترض أن تكون مناسبة للمحاسبة والشفافية، تتحول في كثير من الأحيان إلى فضاء للمرافعة السياسية أكثر من كونها مناسبة لتقديم تقييم موضوعي وهادئ للسياسات العمومية. لذلك فإن القراءة النقدية لهذه المناقشة تقتضي النظر إليها من زاويتين: زاوية ما تحقق فعلاً على مستوى الإنجاز، وزاوية ما بقي معلقًا على مستوى الأثر الاجتماعي والثقة السياسية.

من الناحية الشكلية، تبدو مناقشة الحصيلة الحكومية مؤشرًا على نضج التجربة الديمقراطية، لأنها تفتح المجال أمام البرلمان والرأي العام لمساءلة الحكومة حول وعودها وبرامجها. لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن العرض الحكومي غالبًا ما يركز على الأرقام والمؤشرات الجزئية، مثل نسب النمو، أو حجم الاستثمار، أو البرامج الاجتماعية المعلنة، من دون ربط ذلك بما يعيشه المواطن في حياته اليومية. فالحصيلة لا تُقاس فقط بما يُعلن في البيانات الرسمية، بل بمدى تحسن القدرة الشرائية، وتراجع البطالة، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية.

وفي هذا السياق، يبرز إشكال التواصل السياسي للحكومة. فبدل أن تقدم قراءة صريحة تعترف فيها بما تحقق وما تعثر، تميل غالبًا إلى لغة دفاعية تحتفي بالمنجز وتُرجع الإخفاقات إلى عوامل خارجية، مثل الظرفية الدولية أو تقلبات الأسواق أو إرث الحكومات السابقة. هذا الأسلوب، وإن كان مفهومًا في منطق الترافع السياسي، فإنه يضعف القيمة النقدية لمناقشة الحصيلة، ويجعل المواطن يشعر بأن الخطاب السياسي منفصل عن واقعه الاجتماعي. فالمطلوب ليس التجميل الخطابي، بل الوضوح في تشخيص الاختلالات وتحديد المسؤوليات.

ومن أبرز نقاط الضعف التي تكشفها هذه المناقشة استمرار الفجوة بين السياسات المعلنة والنتائج الملموسة. فعدد من البرامج الحكومية يُطرح باعتباره إصلاحًا نوعيًا، لكن أثره على أرض الواقع يبقى محدودًا أو بطيئًا، إما بسبب ضعف التنزيل، أو غياب التنسيق بين القطاعات، أو بسبب قصور في التتبع والتقييم. كما أن بعض الإصلاحات الكبرى، رغم أهميتها، تُدار بمنطق تقني ضيق، من دون إشراك فعلي للمجتمع والفاعلين المحليين، وهو ما يجعلها أقل استجابة لحاجات المواطنين وأكثر عرضة للتأويل السياسي.

مثال ذلك، عندما تعلن الحكومة عن تقدم في ورش اجتماعي معين، فإن السؤال النقدي لا يتعلق فقط بوجود الاعتمادات المالية أو النصوص القانونية، بل بمدى وصول الخدمة إلى الفئات المستهدفة فعلًا، وبجودة التنفيذ، وبقدرة المؤسسات على ضمان الاستمرارية. فكم من إصلاح بدأ قويًا في الخطاب، ثم اصطدم بضعف الإدارة أو تعقيد المساطر أو غياب الحكامة؟ هنا تتجلى أهمية النقد، لأنه يخرج النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الفعالية والنتائج.

كما أن مناقشة الحصيلة الحكومية تكشف أيضًا محدودية الثقافة السياسية القائمة على تحميل المسؤولية لطرف واحد أو تضخيم الإنجاز الجماعي دون تحديد الأدوار بدقة. فالحكومة ليست كيانًا تجميليًا، بل جهازًا تنفيذيًا يُفترض أن يتحمل المسؤولية السياسية عن قراراته. لذلك فإن نجاحها الحقيقي لا يُقاس بقدرتها على الدفاع عن نفسها داخل البرلمان، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتقوية الثقة في المؤسسات. وإذا بقي المواطن يلاحظ أن الخطاب الرسمي أكثر تطورًا من الواقع المعيشي، فإن الفجوة بين السياسة والمجتمع ستتسع أكثر.

في المحصلة، مناقشة الحصيلة الحكومية بالمغرب تظل ممارسة ضرورية، لكنها لا تكتسب معناها الكامل إلا إذا انتقلت من منطق الدفاع السياسي إلى منطق التقييم الموضوعي. فالحكومة الناجحة ليست تلك التي تتحدث عن نفسها بإيجابية فقط، بل تلك التي تسمح بنقد إنجازاتها بجرأة، وتتعامل مع الإخفاق باعتباره فرصة للتصحيح لا مناسبة للتبرير.

ومن دون هذا التحول، ستظل مناقشة الحصيلة حدثًا سياسيًا مهمًا في الشكل، محدود الأثر في المضمون.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى