
* د. يسين العمري – دكتور في سوسيولوجيا الدين والسياسة
يأتي شهر رمضان بروحانياته، ومن بين ما تشدّ إليه الأفئدة وتهوي إليه الأرواح الإقبال المكثف الكثيف على المساجد لأداء صلاة التراويح، غير أنّ ممّا يرصده المرء في المساجد ولا يكاد يطيقه، هي تلك المظاهر السلبية التي ترافق الصلاة، والتي تفسد على المصلين حلاوة التخشّع ولذّة التواصل مع الله بالقلب وبالروح. والحديث هنا وإن كان على مساجد الذكور، فلا أشك مطلقا في كون نفس السلبيات ستكون في مساجد الإناث، فالعقليات غير المدربة وغير المؤهلة تتجاوز الجنس.
أطفال صغار يلعبون ويصرخون في المسجد:
العديد من الآباء يجلبون معهم صبيتهم الصغار للمسجد، بمبرر أنه لا يوجد مع من يبقون في المنزل، وطبعا الصغار بحكم سنهم يجرون بين صفوف المصلين ويتعلقون بظهور بعضهم… الخ، قطعا اللوم هنا لا يقع البتّة على كاهل أولئك الأطفال الأبرياء، فهم لا يقدّرون حرمة المكان ولا قداسة الصلاة، ولا حلاوة وعذوبة تلاوة القرآن. لكن المسؤولية تقع بالكامل على من يجلبهم. على الآباء تقدير أنهم بإحضار الأطفال الصغار للمساجد يفسدون على باقي المصلين التركيز والتأمل والتدبر في آيات القرآن والتخشّع في الصلاة، وكثيرا ما يكون أولئك الآباء عرضة للاستهجان والاستنكار من طرف المصلين، حتى يضطرّ الإمام أحيانا وسط كثرة الأطفال وحالة الهرج والمرج التي ترافق لعبهم إلى تنبيه الآباء لهذه المسألة.
هواتف ترنّ طيلة الصلاة:
ما تكاد تمرّ ركعة أو حتى لا تكتمل في صلاة التراويح حتى تبدأ الهواتف بالرنين، مع أنّ أبواب المساجد ومداخلها تضمّ ملصقات تطلب من المصلين بصريح العبارة إغلاق هواتفهم، وهذا أمر بدوره يشتّت التركيز ويقطع حلاوة التواصل مع الله والاتّصال به، وكذلك يثير حنق وسخط المصلين، الذين ينظرون لأصحاب الهواتف التي ترنّ أثناء الصلاة نظرات عدم الرضا، وكأنّ لسان حالهم يقول اتّقوا الله واخجلوا فنحن ضيوف في بيت الله.
روائح مقرفة تنفّر الناس من المساجد:
هذه كارثة ابتلينا بها، فالأصل أنّ يأخذ من يرتاد بيوت الله زينته، مصداقا لقول الله عزّ وجلّ في سورة الأعراف الآية 31: “يا بني آدم خذو زينتكم عند كلّ مسجد”، طبعا بدون إسراف، ولكن أيضا بدون تفريط، فالله جميل يحبّ الجمال، والإسلام دين الجمال وفيه تتجلّى كل معاني الجمال، فالمطلوب هو التطيب ولبس لباس حسن وترك بعض المأكولات المؤذية لرائحتها المنفّرة، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أكل الثوم والبصل والْكُرَّاثَ فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تَتَأَذَّى مما يَتَأَذَّى منه بنو آدم».
لكن بعض المصلين ممّن يتوافدون على المساجد لتأدية صلاة التراويح، يبدو وكأنّهم لا يَعُون ولايفقهون هذه القواعد السلوكية الذوقية والجمالية المطلوبة لارتياد المساجد، فيعضهم يدخل للمسجد ورائحة جواربه قذرة، وبعضهم يتجشّأ ويتكرّع من كثرة الأكل، وبعضهم رائحة جسده أو ملابسه مقرفة… الخ، هؤلاء يؤذون المصلين سواء علموا ذلك أو جهلوه أ تغافلوا عنه.
أطفال يلعبون الكرة وشباب يجلسون لتجاذب الحديث والتدخين قرب الجامع:
للأسف زيادة على ما ذكر سابقا، ازداد استفحال ظاهرة أخرى أمام وعلى جنبات بعض المساجد، وهي قيام بعض الأطفال الصغار بالركض ولعب كرة القدم والصلاة قائمة، وكذلك بعض الشباب العشريني يترك الحي كلّه، ولا يحلو لهم الجلوس والحديث والسمر إلا بأدراج المسجد أو قريبا منه، ومنهم من يطلق سهوا–إن أحسنّا الظنّ- بعض الكلمات النابية، وبعضهم يشعل سيجارته أو يلفّ مخدره في السيجارة، وهو ما يؤذي قطعا المصلين ويفسد عليهم صلاتهم، حتى يضطر بعض المصلين أحيانا بعد التسليم للتوجه إليهم ولفت أنظارهم لينصرفوا من المكان.
هجوم الباعة الجائلين والمتسولين على المصلين لحظة الخروج من المساجد:
نختم بهذا المظهر السلبي، فأثناء الصلاة قد يزعج المصلين أحيانا أصوات السيارات أو الدراجات النارية، ولكن هذا معطى مفروض ويستحيل التعامل معه، لكن ما يزعج أكثر هو أنّه بانتهاء الصلاة، تهاجم مباشرة جحافل الباعة الجائلين والمتسولين المصلين، وهو ما يخرجهم من الهالة الروحانية وحالة القداسة والطاقة الروحية الإيجابية التي يمتلأ بها المصلون أثناء وقبيل انتهاء صلاتهم وفروغهم منها. فتبدأ عبارات عرض البضائع تخترق الآذان، وكذلك عبارات التسول.



