
السفير 24
نُشرت رسميًا اللائحة النهائية لنتائج مباراة توظيف الأساتذة الباحثين بالمدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة ببركان، وفي هذا الإطار أعادت هذه النتائج إلى الواجهة نقاشًا قديمًا جديدًا حول شفافية مباريات التعليم العالي وحدود احترام مبدأ تكافؤ الفرص. فالنتائج المعلنة جاءت، في جوهرها، مطابقة لما جرى التحذير منه مسبقًا، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مسار المباراة وجدواها الفعلية.
وفي السياق ذاته، تشير مصادر “السفير 24” إلى لفت الانتباه أن الاسم الذي كان متداولًا قبل إجراء المباراة (ع. م) والذي قيل حينها إن فوزه محسوم سلفًا، هو ذاته الذي تصدر اللائحة النهائية اليوم.
وبناءً على ذلك، فإن هذا التطابق الزمني والموضوعي بين التحذيرات السابقة والنتائج اللاحقة لا يترك هامشًا واسعًا للتأويل، ويُعزز الانطباع بأن المباراة لم تتجاوز كونها إجراءً شكليًا لإضفاء الشرعية على قرار مُسبق.
وقبل ذلك، كانت “السفير 24” قد نشرت مادة صحفية تحذيرية مفصلة، كشفت بالوقائع عن خروقات محتملة، ونبّهت إلى مخاطر ما يجري داخل المؤسسة، في محاولة واضحة لدق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان. غير أنه، وبدل تفعيل آليات الرقابة أو فتح تحقيق إداري مستقل، استمرت المسطرة كما هي، لتأتي النتائج اليوم مطابقة حرفيًا لما ورد في التحذيرات، وكأن الأمر يتعلق بسيناريو مكتوب سلفًا.
وفي هذا الصدد، فإن الأخطر في هذه المباراة، وربما الأكثر دلالة، تضيف المصادر ذاتها، هو عدم الإعلان عن لائحة انتظار، في سابقة غير مفهومة داخل منظومة مباريات التعليم العالي. فغياب هذه اللائحة لا يمكن اختزاله في تفصيل إداري، بل يترتب عنه عمليًا إغلاق الباب نهائيًا أمام باقي المترشحين، ومنع أي إمكانية للطعن العملي أو المراجعة، فضلًا عن قطع الطريق على أي تعويض محتمل في حال الانسحاب أو الإلغاء. وعليه، يبدو القرار أقرب إلى إجراء متعمد لفرض الأمر الواقع وإنهاء الملف بسرعة.
ومما يزيد من حدة الإشكال، تؤكد المصادر أن هذه الخروقات لم تُثار بعد وقوعها فقط، بل جرى التنبيه إليها مسبقًا عبر مراسلات وشكايات وُجهت إلى وزير التعليم العالي، السيد عزالدين ميداوي، دون أن يقابل ذلك أي رد أو تفاعل يُذكر. فلا لجنة تفتيش شُكّلت، ولا تحقيق فُتح، ولا توضيح قُدّم، ولا حتى جواب شكلي صدر. وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة هذا الصمت المتواصل إلا باعتباره تجاهلًا لشكايات الباحثين الشباب، أو عدم اكتراث بما يجري داخل مؤسسات خاضعة لوصاية مباشرة للوزارة.
واليوم، وبعد نشر النتائج النهائية، بات الأمر واقعًا إداريًا: المعنيون تسلّموا مناصبهم، وأصبحوا أساتذة محاضرين، وطُوي الملف رسميًا. غير أن هذا “الإغلاق” لا يعني بالضرورة سلامة المسطرة، بقدر ما يعكس محدودية آليات الطعن والمساءلة حين تغيب الإرادة السياسية والإدارية.
ومن ثم، لا يمكن اعتبار ما وقع حالة معزولة، بل حلقة ضمن نمط ممنهج يتكرر في أكثر من مؤسسة: هيمنة نفس المختبر ونفس الدائرة الأكاديمية، استدعاء جماعي لطلبة الجهة نفسها، إقصاء مترشحين من جامعات أخرى، توظيف دون إنتاج علمي محكم، ونتائج تُعرف قبل الإعلان عنها. وهو ما يُقوّض، في العمق، مبدأ تكافؤ الفرص، ويُضعف مصداقية الجامعة العمومية.
وفي هذا السياق العام، وفي رسالة مباشرة إلى وزير التعليم العالي، يصبح لزامًا التذكير بأن التحذيرات نُشرت قبل المباريات، والشكايات أُرسلت قبل إعلان النتائج، والأنماط نفسها تتكرر بالأسماء ذاتها. وعليه، فإن الصمت لم يعد حيادًا إداريًا، بل يتحول موضوعيًا إلى مسؤولية سياسية كاملة. فالجامعة العمومية لا تُدار بالإنكار، ولا تُصلح بالتجاهل، ولا تُحمى بترك الباحثين الشباب يواجهون مصيرهم وحدهم.
ويبقى ما حدث بالمدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة ببركان يمكن تلخيصه في معطيات واضحة: فضيحة موثقة، تحذير منشور مسبقًا، نتائج تشير إلى وجود شبهات، وزارة لم تتخذ أي إجراء، وأمر واقع فُرض بالقوة الإدارية. وإذا استمر هذا الصمت، فإن الخطر لن يقتصر على مؤسسة واحدة، بل قد يمتد ليهدد مستقبل منظومة التعليم العالي بأكملها.



