
السفير 24 -جمال اشبابي
في لحظة يغشاها الحزن العميق والرهبة، ودع المغرب والعالم الإسلامي واحدا من أبرز أعلام التصوف السني المعتدل، الشيخ جمال القادري بودشيش، شيخ الزاوية القادرية البودشيشية، عن عمر ناهز 83 عاما، بعد مسار طويل حافل بالعطاء الروحي والفكري.
ولد الشيخ جمال في أسرة علم وصلاح بقرية مداغ في الشرق المغربي، حيث تشرب منذ صغره قيم المحبة والتسامح، وتلقى علومه الأولى على يد والده الشيخ حمزة القادري بودشيش، ثم واصل تكوينه العلمي في دار الحديث الحسنية بالرباط، المؤسسة التي خرجت نخبة من علماء المغرب. قبل أن يتفرغ للمشيخة، كان أستاذا مربيا، نقل العلم والمعرفة إلى أجيال متعددة، جامعا بين التكوين الشرعي والرسالة التربوية.
تولى مشيخة الزاوية القادرية البودشيشية خلفا لوالده، فواصل مسيرة ترسيخ قيم التصوف السني الأصيل، مستندا إلى إرث روحي عميق ورؤية قائمة على السلم والتعايش. تحت قيادته، تحولت الزاوية إلى مركز عالمي يستقطب مريدين وباحثين عن الصفاء الروحي من شتى البلدان، خاصة خلال الملتقيات الدولية التي نظمتها، حيث كان الخطاب فيها يصدح بنداء تزكية النفس ومحبة الخلق.
امتاز الشيخ جمال بقدرة فريدة على الجمع بين الروحانية والانفتاح على العصر، فكان حاضرا في المشهد الوطني والدولي، مستقبلا وفودا من مختلف الديانات والثقافات، ومؤكدا أن التصوف المغربي مدرسة ترفض الغلو وتدعو إلى البناء المشترك.
في أيامه الأخيرة، حظي برعاية خاصة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي تابع حالته الصحية عن كثب، في دليل على المكانة المرموقة التي كان يحتلها في قلب الدولة والمجتمع.
رحيل الشيخ جمال القادري بودشيش لا يعني نهاية حضوره، فآثاره ومبادئه باقية في قلوب مريديه وفي ذاكرة المغاربة، شاهدة على مسيرة رجل عاش للسلام، ورحل تاركا إرثا روحيا خالدا.



