
السفير 24
تشكل الجامعة المغربية، في الوعي الجمعي، رمزًا للعلم والمعرفة، ومختبرًا لإنتاج النخب وصناعة المستقبل. غير أن الواقع الذي تكشفه المعطيات الميدانية والمصادر الموثوقة التي حصلت عليها “السفير 24”، يضع هذه الصورة المثالية أمام أسئلة محرجة عن حقيقة ما يجري في كواليس عدد من الجامعات والكليات، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع المصالح المالية، وتختفي القواعد الأكاديمية خلف شبكات معقدة من العلاقات الزبونية والامتيازات الخاصة.
ففي الوقت الذي تعلن فيه الوزارة الوصية شعارات من قبيل “الحكامة الجيدة” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، تتواتر الوقائع التي تكشف عن تلاعبات جسيمة في تدبير الصفقات العمومية داخل مؤسسات التعليم العالي.
وتشير مصادر “السفير 24” إلى أن بعض الكليات التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وجامعة ابن زهر بأكادير، وجامعات أخرى (سنتطرق لها في مقالات خاصة) ، أبرمت عقودًا بملايين الدراهم لتجهيز قاعات ومدرجات ومختبرات، لكن هذه المشاريع غالبًا ما تكون صورية أو منجزة بمستوى متدنٍ، بينما تُصرّح في التقارير المالية بأنها أنجزت “وفق المعايير”.
وكشف المصادر أن بعض عمداء الكليات ورؤساء الجامعات عملوا على تمرير صفقات إلى شركات بعينها، في أحيان كثيرة تربطها بهم علاقات شخصية أو مصالح مشتركة، مقابل عمولات أو امتيازات. كما جرى تضخيم فواتير الإصلاحات والبناءات بشكل غير مسبوق، حتى أن بعض عمليات “الصيانة” البسيطة فاقت تكلفتها ما يكفي لبناء مرافق جامعية جديدة بالكامل، في حين يظل الطلبة يعانون من قاعات مهترئة ومختبرات تفتقر لأبسط المعدات.
هذه الخروقات لم تتوقف عند الجانب المالي، بل امتدت إلى العمق الأكاديمي للجامعة، حيث تشير شهادات وأدلة إلى أن بعض برامج الدكتوراه تحولت، في مؤسسات معينة، إلى فضاء مغلق تتحكم فيه دوائر النفوذ. فقد جرى، وفق معطيات موثوقة، تسجيل برلمانيين ومنتخبين محليين وأبناء شخصيات نافذة في سلك الدكتوراه، خارج معايير الانتقاء الأكاديمي، إما بتدخل مباشر من العميد أو عبر تدخلات من قيادات حزبية ونقابية. وفي حالات بعينها، تم تكييف مواضيع البحث ومنح مسارات التكوين على مقاس هؤلاء، مما أفرغ العملية الأكاديمية من مضمونها البحثي الحقيقي.
وتضيف مصادر “السفير 24” أن بعض الكليات عرفت ممارسات أخرى لا تقل خطورة، مثل خلق مراكز أو مختبرات بحثية وهمية، لا وجود لها إلا في الوثائق الرسمية، بهدف الاستفادة من الدعم المالي المخصص لها، أو استغلال مشاريع شراكة مع مؤسسات أجنبية كغطاء لتبرير صرف اعتمادات ضخمة دون أثر ملموس على أرض الواقع. كما لوحظت حالات تم فيها تجزئة الصفقات إلى مبالغ صغيرة لتفادي مساطر المراقبة الصارمة التي تفرضها قوانين الصفقات العمومية.
وتؤكد مصادر الجريدة أن هذه الممارسات لم تكن لتستمر لولا غياب إرادة حقيقية للمحاسبة، حيث تبقى تقارير التفتيش حبيسة المكاتب، وتغيب الإحالات الجدية على القضاء. كما أن تدخلات من خارج المؤسسة، سواء من أطراف سياسية أو نقابية، كثيرًا ما تُجهض أي محاولة لفتح تحقيق شفاف وشامل.
وفي هذا السياق، ينتظر الجميع تحركًا فعليًا من الوزير عزالدين ميداوي، من أجل تحريك أسطوله نحو عدد من الجامعات والكليات التي استشرى فيها الفساد، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة بصرامة، لضمان استعادة الانضباط الأكاديمي والمالي وحماية الجامعة من التجاوزات التي باتت تهدد رسالتها الأساسية.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن “السفير 24” بصدد استكمال تحقيقات موسعة ستنشر تباعًا مع انطلاق الدخول الجامعي القادم، وستفضح من خلالها ملفات فساد مالي وإداري وأكاديمي تتجاوز في حجمها وخطورتها ما كشفت عنه قضية أحمد قيلش وملف “الجنس مقابل النقط”. وستتضمن هذه التحقيقات وثائق وأسماء ووقائع موثقة، بهدف وضع رؤساء الجامعات وعمداء الكليات أمام مسؤولياتهم التاريخية في استعادة شرف المؤسسة الأكاديمية، وقطع الطريق أمام كل من يحاول تحويلها إلى مزرعة شخصية أو منصة لتبادل المنافع على حساب المعرفة والبحث العلمي.
يتبع…



