
السفير 24 – بقلم: عبد اللطيف الباز
في لحظة فارقة من تاريخ العدالة المغربية، برز اسم الأستاذ عزيز أزرف، نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بخريبكة، كأحد الأسماء التي تجاوزت حدود النصوص القانونية والبدلات الرسمية إلى ما هو أعمق: إلى ضمير المتقاضين ووجدان المواطنين. لم يكن مجرد مسؤول قضائي يوقع على المساطر ويصدر التعليمات، بل كان حضورًا حقيقيًا وسط الناس، رجلًا نادرًا في زمن يشتكي فيه كثير من المتقاضين من جفاء القضاء وبعده عن نبض المجتمع.
تشكّلت ملامح هذه التجربة الفريدة حين كان الأستاذ أزرف نائبًا لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بقصبة تادلة. هناك قرابة زهاء خمسة عشر سنة، وسط الجلسات اليومية والملفات المتراكمة، عرف الناس نوعًا مختلفًا من ممثلي النيابة العامة.
لم يكن صوته عاليًا، ولا حركاته مسرحية، لكنه كان حاضرًا بكامل وعيه ويقظته. من تابع مرافعاته يُدرك سريعًا أنها لم تكن مجرّد تلاوة للوقائع أو ترديد لمواد القانون، بل كانت تحليلًا دقيقًا ومركبًا للأفعال والسياقات والدوافع. كان قادرًا على تفكيك الجريمة كما يفكك عالمُ نفسٍ عقدةً داخلية، فيعيد ترتيب المعطيات وربط الأسباب بالمسببات، دون أن يفقد البوصلة القانونية ولا ميزان العدالة.
لكن التجربة القضائية للأستاذ عزيز أزرف لم تتوقف عند الجلسات. خارج قاعة المحكمة، كان رجلًا آخر… متواضعًا، خفيف الظل، يُعامل الموظفين والشرطة القضائية باحترام، ويُبادر إلى تيسير الأمور بدل تعقيدها. لم يُعرف عنه يومًا أنه استغل منصبه لقضاء مصلحة خاصة، أو أنه مارس نوعًا من التسلط الذي يلاحق بعض المسؤولين، بل ظل على الدوام قريبًا من الجميع، حافظًا لكرامة منصبه دون أن يتعالى به على الآخرين.
ولهذا، حين انتقل إلى محكمة الاستئناف بخريبكة، سبقه صيته الطيب، واستُقبل كمن يستأنف عملًا بدأه منذ سنوات، لا كغريب يُجرّب مسؤولية جديدة.
في خريبكة، ارتقى الرجل بالمسؤولية دون أن يغيّر من طباعه شيئًا. فتح أبواب مكتبه أمام المواطنين، واستقبل شكاواهم وتظلماتهم، واستمع إليهم لا كروتين إداري بل كأب أو أخ أو صديق أو رجل دولة يعي أن كل مظلمة، مهما صغرت، تظل جرحًا مفتوحًا في جسد العدالة.
كان حريصًا على تفعيل التوجيهات الملكية بشأن تحسين خدمة العدالة، وعلى تنزيل دوريات رئاسة النيابة العامة خاصة ما تعلق منها بترشيد الاعتقال الاحتياطي واعتماد العدالة التصالحية في ما أمكن من الملفات.
ولم يكن المجتمع المدني بعيدًا عن رؤيته. بل جعله شريكًا أساسيًا في دينامية النيابة العامة. لم يتعامل مع الجمعيات كمتطفلة أو خصم كما يفعل البعض، بل بادر إلى خلق جسور تواصل، وشارك في لقاءات، واستقبل مبادرات، وفتح قنوات تفاعل مباشر مع النشطاء والمواطنين.
ومع الصحافة، كان مختلفًا أيضًا. لم يتوجس من الضوء ولا من الأقلام، بل أدرك أن الإعلام النزيه حليف للعدالة، وأن الانفتاح الواعي على وسائل الإعلام يساعد في بناء الثقة وترسيخ الشفافية.
الأستاذ عزيز أزرف هو من أولئك القضاة الذين لم يغلقوا مكاتبهم خلف الأبواب الحديدية، بل حملوها إلى الشارع، إلى الواقع، إلى الناس. جعل من صوته منصة لإسماع المتقاضين، ومن قلمه وسيلة لتصحيح المسار، ومن مسؤوليته أداة لرفع الحيف لا لتعزيزه. لا يتحدث كثيرًا، لكنه إذا وعد وفى، وإذا أنصت فهم، وإذا كتب قراره، كتب عدالة لا انتقامًا.
هكذا يمكن أن نفهم لماذا صار اسمه يتردد في المجالس المهنية والحقوقية على حد سواء. ليس لأنه صاخب أو نجم إعلام، بل لأنه ببساطة، رجل دولة، ونموذج نادر لما ينبغي أن يكون عليه القاضي المغربي: حكيمًا، متواضعًا، منفتحًا، صارمًا حين يلزم، ورحيمًا حين يستدعي الموقف. رجل لم يتعامل مع القضاء كوظيفة، بل كرسالة.
إذا أردنا أن نختصر هذه التجربة الفريدة، يمكننا القول: عزيز أزرف لم يكن نائب وكيل عام فقط، بل كان فكرة، وكان مبدأ، وكان وعدًا جميلًا بأن العدالة يمكن أن تكون عادلة فعلًا، إذا حملها رجال يؤمنون بها حقًا.



