
د. يسين العمري
مستهل:
كمواطن مغربي أكتب هذه الأسطر دفاعاً عن المغرب كبلد يمتدّ من طنجة إلى لكويرة، وكشعب موغل في تاريخ المجد والحضارة الإنسانية بأفعال وإنجازات، لا بأقوال وادّعاءات، بلد وشعب لهما تاريخ فعلي معترف به، وليسا في طور البحث عن تاريخ أو اختلاق تاريخ مزيّف وهمي.
نعم مقالي هذا دفاع أو مرافعة عن المغرب البلد والشعب، فلست البتّة مثقفا تبريريا للسلطة ولن أكون إلا إذا فرضت عليّ الظروف ذلك كما هو حاصل الآن، إذن كمواطن مغربي أعلن بادئ ذي بدء موقفي المبدئي الثابت من رفض كافّة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب ومساندتي لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، كما أعلن موقفي الثابت كذلك من مغربية الصحراء واستعدادي كباقي كلّ المغاربة للموت دفاعا عن قضية وطني وأبناء شعبي. فهل يتناقض الموقفان؟ ذلك ما سنحاول تفسيره في ثنايا هذا العمود.
بعد هذا التقديم وما فيه من ذاتية ليتحدّد إطار ما سنكتبه بعيداً عن التهويل والتهوين، وبعيداً عن التفسيرات المغرضة والمرضية، حيث يسهل بات الاتهام بالعمالة أو التواطؤ، أقول أنّ المغرب الذي يتعرّض في هذه الأيام لحملة شعواء شرسة من طرف بعض الأقلام المأجورة، تحت مسميات “خبير” “محلل” وغيرها من الأوصاف التي يطلقها من لا يملك على من لا يستحقّ، ولم يجمعهم إلا كره المغرب، والحقد الدفين على المغاربة.
إنّ أخطر آفة ابتلينا بها كعرب وكمسلمين هي آفة “المثقف الدجال” أو “شبه المثقف” الذي يوظف مفاهيم تدغدغ مشاعر الجمهور ليبرمج عقولهم وفق توجّهاته، كما يتمّ هذه الأيام توظيف مصطلحات قديمة – جديدة كمعسكر المقاومة – قلعة الممانعة – الثوار الأحرار… الخ من المصطلحات التي نجدها عادت للساحة بقوّة هذه الأيام في العديد من وسائل الإعلام العربية أو الناطقة بالعربية، بعد الاتفاق الأمني المغربي – الإسرائيلي.
إنّ التضليل الإعلامي لا يحتاج سوى لتكرار نفس الأفكار يوميا ودعمها ببعض المغالطات بعضها قد يبدو منطقياً، وتسليط الضوء على جزء معين من الوقائع وإخفاء الجزء الآخر، وهذا بالضبط ما يقع هذه الأيام، فقنوات مثل روسيا اليوم الناطقة بالعربية والعالم الإيرانية وغيرهما، وجرائد مثل الشرق الأوسط التي تصدر من لندن، دون احتساب جرائد وقنوات الصرف الصحي الناطقة بلسان عسكر “كوريا الشرقية”… وغيرها كثير من وسائل الإعلام ممّن تتبع ملكيتها لدول لا تخفي عدائها للمغرب وولائها لجاره الشرقي، أو يملكها أشخاص مثل عبد الباري عطوان وغيره من بقايا أيتام القومية العربية الذي ابتلانا بها الهالك جمال عبد الناصر، وبعضها تابع لعزام التميمي وغيره من بقايا أيتام الحركات الإسلاموية، والتي لا يعدو رأسمالها (القومجيون والإسلامويون) النواح والبكاء على الأطلال والتجارة بقضية فلسطين. ماذا أعطى العرب لفلسطين؟ وطبعا المقصود الأنظمة والجيوش لا الشعوب؟
للأسف وأقول للأسف الشديد، لم تُعطِ الدول العربية كأنظمة وجيوش شيئاً لفلسطين سوء الشعارات الحنجرية، والهتافات الفارغة والبكاء أو بالأحرى التباكي، على الأرض لا شيء مطلقاً، وأتحدّى هؤلاء “المثقفين الدجالين” ممّن يهاجمون المغرب الآن ليل نهار، في الجرائد والإذاعات وشاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، أتحدّاكم أن تضعوا فواتيركم على الطاولة وتبينوا لنا بالأرقام كم دولارا صرفتم على فلسطين؟ كم جنديا أرسلتم لفلسطين؟ كم شهيدا لديكم من أجل فلسطين؟ كم جريحا أو معطوبا من الحرب استقبلتم من فلسطين؟ الجواب صفر نعم زيروووو…. بانتهاء الحروب العربية الإسرائيلية الأربعة سنوات (1973-1967-1965-1948)، والتي خسرها العرب جميعاً، بل في إحداها لم تتعدّ مدّة الحرب خمس ساعات فقط، احتلّ فيها الكيان الصهيوني دفعة واحدة الجولان السوري وسيناء المصرية وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وجنوب لبنان ومعظم الأردن، بسبب القوميين العرب الذين دافعوا عن فلسطين بالشعر والخطب الحماسية فقط لا غير.
منذ تلك الحروب ما هي مساهمة الدول العربية من أجل فلسطين؟ لا شيء، وحتى مواجهات بعض الفصائل الفلسطينية كحماس والجهاد الإسلامي، أو حزب الله اللبناني مع الكياني الصهيوني، فتمويلها وتسليحها من طرف النظام الصفوي الإيراني الشيعي، الذي تتحالف معه الجزائر حالياً، الشيعة المجوس الكفّار الذين يشتمون علانية أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويكفّرون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ويلعنون على منابرهم أبا بكر الصديق، والفاروق عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنه الذي تستحيي منه الملائكة، ويحتفلون بأبي لؤلؤة المجوسي قاتل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ويسمّونه بابا شجاع الدين، الصفويون الذين يحتفلون بيوم “هلاك” عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلّم ويغنّون ويرقصون “عائشة في النار”، المجوس الذين يؤلّهون عليا كرم الله وجهه وابنه الحسين رضي الله عنه، ويقدّسون الأئمة، ويجعلون الإمامة ركنا من أركان الإسلام يستوجب منكرها الدخول لجهنم واللعنة في الدنيا والآخرة.
الدول العربية التي تتحالف مع روسيا والصين الدولتين الملحدتين وإيران الصفوية المجوسية، روسيا التي تحتل وتشرّد الشيشانيين والداغستانيين وشعوب القوقاز والقرم والتتر المسلمين، روسيا التي قتلت ما يزيد عن مليون مسلم سوري سني، والصين التي تقتل وتشرّد ملايين المسلمين الإيغور، وإيران التي تقتل وتشرّد ملايين السوريين واللبنانيين واليمنيين والعراقيين، وتهدّد بابتلاع الخليج العربي كلّه… هذه هي الخيانة، نعم خيانة العروبة والإسلام.
ما هو المطلوب من المغرب؟ أن يدع نصف مملكته تضيع وتذهب لجارته الشرقية، التي تتبنى وتنفق مال شعبها على حفنة من المرتزقة؟ نعم الدولة المغربية لم تكن لتلجأ البتّة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، لولا الحاجة لتأمين حدودها، والدفاع عن قضيتها الأولى، قضية الصحراء المغربية، التي دفاعا عنها فقدنا آلاف الشهداء وملايين الدولارات، وحولنا تلك الأقاليم من صحراء جرداء قاحلة إلى مدن كبيرة تنعم بالتنمية والمشاريع الضخمة، وبات المواطن الصحراوي المغرب بعد أن كان يمشي دون نعل، مثالا للإنسان المتمدّن المتحضّر، أتكلّم وأنا المنتمي لتلك الأقاليم، ففي مدينة العيون ولدت وبها نشأت وترعرعت ودرست إلى أن أخذت البكالوريا، ولي بها إقامة وأهل وأصدقاء وزملاء دراسة، وأنا دائم الزيارة للعيون وللداخلة وبوجدور، وكلّ عام يمضي أكاد لا أعرف تلك المدن في زيارتي الموالية لها، فكلّ مرة أجد اتساعا عمرانيا ومشاريع وحضارة… هذا هو المغرب يبني ويعمّر ولا يهدم ويخرّب كما يفعل البعض. المدن الصحراوية يسيرها أهلها من الصحراويين المغاربة، الذين لهم شرعية تمثيل السكان والتحدّث باسمهم، لأنهم جاءوا بعملية انتخابية ديمقراطية، وليسوا كالبوليساريو التي لم نسمع يوماً بانتخابات تجري في تندوف، بل إنّ تندوف هذه – وهي مدينة مغربية في الأصل- ليست في كنف الجزائر والبوليساريو سوى مدينة بئيسة لا تجد فيها سوى الخيام، وكأنها مدينة من العصر قبل الوسيط.
أقول إنّ إقدام الدولة المغربية على التطبيع مع الكيان الصهيوني رغم أنه يؤلم الكثير من المغاربة، إلا أنّه يشبه مسألة أكل الميتة عند الاضطرار لمخمصة (مجاعة) أو لظرف شديد الملحاحية، والحاجات تبيح المحظورات، لست مفتيا، لكن للأمر معقوليته السياسية، فلن نترك نصف أرضنا للجزائر ولدميتها البوليساريو، جريا وراء الشعارات الفارغة. لن نكون أكثر فلسطينية من الفلسطينيين أنفسهم الذين وقعوا معاهدات السلام ومعاهدات التنسيق الأمني مع إسرائيل، المغرب مثل مصر والأردن والسودان والإمارات والبحرين، كلّها دول وقعت معاهدات سلام وكلّها تطبّع مع إسرائيل، لماذا يا أيتام القومية العربية تهاجمون المغرب فقط؟ تركيا وقطر علاقتهما بإسرائيل مثل السمن مع العسل، لماذا تغضون أبصاركم عن هذه العلاقات يا أيتام الحركات الإسلاموية؟ ثمّ حتى الدول التي لم توقع اتفاقيات صريحة مع إسرائيل فهي ومهما تكتّمت عن الأمر تتعامل معها سرا في التجارة والتصدير والاستيراد والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وحضور اجتماعات حلف الناتو غيره جنبا إلى جنب مع “العدو” الصهيوني؟ أليس هذا تطبيعاً؟ أليس اعتراف الجامعة العربية بحلّ الدولتين اعتراف صريح وليس ضمنيا بإسرائيل؟ متاجرتكم بقضية فلسطين وليّ عنق الحقائق وتفصيلها على مقاس نظريتكم القومية أو الإسلاموية، لم تعد تنطلي على المغاربة، فأنتم كالعاهرة التي تعطي محاضرات في الشرف، دولكم تهرول نحو إسرائيل وتسبّح بحمد أمريكا ليلا ونهاراً، وأنتم تقومون بما يسمّى في علم النفس بالإزاحة تجاه المغرب، من باب رمتني بدائها وانسلّت، وتلبيس إبليس هذا اكتشفناه ووعينا أبعاده ولم نعد من ضحاياه.
نعم، إنّ المغرب محقّ في سياساته الحالية، لأنه نظر لها بعين المصلحة، للمغرب ما يزيد عن مليون مواطن يعيشون بفلسطين المحتلة، ومعظمهم يمتلكون جوازات سفر وبطاقات تعريف وطنية مغربية، يزورون المغرب سنوياً، فهل نقول لهم أنتم لستم مغاربة؟ في المغرب يعيش عشرات الآلاف من اليهود ممّن رفضوا الهجرة لفلسطين المحتلّة، ماذا نقول لهم؟ ارحلوا عن وطنكم مثلا إرضاء لبعض النائحات المستأجرات؟ ألم يعقد النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه اتفاقية مع يهود يثرب تنصّ على العيش المشترك والتسامح الديني، بل والدفاع المشترك عن يثرب ضدّ من يحاول غزوها من مشركي العرب؟
إذا كنتم تسيئون لصورة المغرب، وتعيبون عليه ارتمائه علنا في حضن إسرائيل وأمريكا، فإنّ الجزائر التي تسعون لتلميع صورتها وجعلها “دولة المقاومة والممانعة”، تخلع ملابسها الداخلية علنا وسرا في غرف النوم الإيرانية والروسية والفرنسية، ذلك شأنهم، فالجزائر دولة لها سيادتها وشؤونها الداخلية، وكما نرفض أن نتدخّل في شؤونهم وشؤون غيرهم، فكذلك وبذات المقدار نرفض من يتدخّل في شؤوننا الداخلية، لأنّنا كذلك دولة ذات سيادة، ولن نتوانى عن تثبيت مغربية الصحراء ولو تحالفنا مع إبليس نفسه، هذا رأيي كمواطن مغربي، إنّ من اضطرّنا للتطبيع ثمّ التحالف العسكري مع الكيان الصهيوني، هم جنرالات الجارة الشرقية قولا واحداً، بالنظر لسعيهم الدؤوب لتقسيم المغرب، وإنفاقهم الجنوني عسكريا ودبلوماسيا على مرتزقة البوليساريو، وتمويلهم للحملة الإعلامية الضخمة والمسعورة القائمة على البروباغندا السياسية ضدّ المغرب، وشرائهم لذمم وأقلام “المثقفين” القومجيين والإسلاميين من دول المشرق والمغرب العربي “النائحات المستأجرات”، لتشويه صورة المغرب، لذلك فذنوب وأوزار هذا التحالف “الآثم”، يتحمّلها أمام الله والتاريخ شنقريحة الحاكم الفعلي للجزائر وعصبته. نظام الجزائر لعلمكم هو الوحيد الذي لم يعترف إلى الآن بدولة كوسوفو المسلمة، بل الأدهى أنّه يدعم صربيا الشيوعية الملحدة مثله، ضد الشعب الكوسوفي، وكذلك فعل من قبل حين لم يدعم تحرّر البوسنة والهرسك المسلمين في حربهم للاستقلال عن صربيا، وكما لا يدعم نضال شعب كاشمير المسلم ضدّ الهنود عبّاد البقر، وكما لا يدعم يقينا نضال الإيغور المسلمين ضدّ الصين، ولا نضال الشيشان وداغستان المسلمين ضدّ حليفه وعشيقه الروسي، وطبعا فقبلة الأحرار ومكّة الثوار لا تدعم سوى من يريدون تقسيم المغرب، هنا نراهم في غاية الحماس، وفي غير ذلك لا نرى سوى الخزي والعار، حتى في الادّعاء بدعم فلسطين ظالمة ومظلومة، الأمر ليس سوى نضالات فايسبوكية وشعارات إعلامية وخطب تلفزيونية للشعب الجزائري الشقيق المغلوب على أمره، وإلا فليخبرونا بالأرقام والمستندات عن مقدار هذا الدعم لفائدة القضية الفلسطينية. ليتهم فعلا كانوا يساندون فلسطين، لعمرو الله لكنّا سنكون فرحين مسرورين ومعجبين بذلك، وكنّا سنصفّق لهم، ونكتب عنه ما لم يقله مالك في الخمر، لكن الحقيقة المرّة أنّ مساندتهم لفلسطين افتراضية وليست واقعية، معظم أموال الجزائريين تمّ صرفها على قيادات البوليساريو، أمّا الشعب فهو في جحيم الطوابير على كيلو بطاطس، أو عدس، أو لتر حليب… الخ، وهنا لا نتشفّى أو نقول أنّ ذلك يسعدنا، بالعكس، وربّ الكعبة إن حال أشقائنا في الجزائر ليحزننا، وكيف لا ونحن شعبان شقيقان، لنا نفس اللغة، نفس التاريخ والمصير المشتركين، نفس الدين الإسلامي الحنيف، اختلطت دمائنا أثناء حرب تحرير الوطنين معاً، واختلطت دمائنا بالنسب والمصاهرة، فكيف يفرحنا ما يسوءهم أو يسيئنا ما يفرحهم، اللهم إلا في خيال بعض المرضى هنا أو هناك.
ختاماً، إنّ معظم الدول العربية، وبالأخصّ من يسمّون أنفسهم محور المقاومة، هم في الحقيقة محور المقاولة، يتاجرون بقضية فلسطين، ليوهموا شعوبهم بأنّ تنمية الوطن معطّلة بسبب تلك القضية، فلا تنمية إلا بعد تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، شعار كاذب خادع كالسراب يحسبه الظمآن ماءًا،. هذا من نوع من التجارة الرخيصة إنما هو بيع لسلعة فاسدة كاسدة، لا أرباح فيها، تجارة بارت وستبور مع انتشار الوعي، إنّ الشعوب العربية تريد تنمية أوطانها، تريد التشغيل، تريد المرافق والخدمات العامّة، تريد لقمة العيش، تسعى لتكريس الحريات والعدالة الاجتماعية في وطنها، تريد الكرامة الإنسانية للمواطن العربي من المحيط إلى الخليج، لا تريد الهتافات والشعارات والوعود الزائفة، وأوّل تلك الشعوب الشعب الفلسطيني، الذي سئم من متاجرة العرب بقضيته، دون أن يرى دعما حقيقيا على الأرض، إن دعم فلسطين يكون بإقامة مستشفيات ومدارس وتمويل مشاريع للسكان الفلسطينيين في القدس وغزة ورام الله وغيرها من المدن الفلسطينية، كما يفعل المغرب المتّهم بالخيانة، وبشهادة قيادات فلسطينية من محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية إلى إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. إذا كانت الخيانة هكذا تحقق للفلسطينيين ولو جزءًا بسيطاً من الدعم في حياتهم اليومية، فأن تكون خائنا أجمل، فنِعْمَ الخيانة، نعم إنها أجمل من أن تكون مخادعاً نصّاباً تتاجر بمعاناة الناس ومآسيهم، لتحقيق شهرة زائفة وضيعة.
دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني – مُكَوِّن في الصحافة والإعلام*



