أقلام حرة

تداعيات ما بعد أزمة كورونا على النظام الدولي بين اللعبة الصفرية وغير الصفرية

le patrice

د عبد الواحد أولاد ملود – باحث في العلاقات الدولية

تدخل نظرية اللعبة الصفرية ضمن نظريات العلاقات الدولية، حيث تعرف أنها: “منهج يقوم بدراسة وصياغة القرار ضمن العلاقات الدولية في المواقف الذي يغلب عليها طابع الصراع أو التعاون، وتنقسم النظرية على أساس النتائج النهائية إلى نموذجين:

اللعبة الصفرية ومفادها أن المكاسب التي يحققها الطرف “أ” تمثل الخسائر التي يتكبدها الطرف “ب” أي الربح المطلق أو شبه المطلق للطرف “أ” والخسارة المطلقة أو شبه مطلقة للطرف “ب”.

أما النموذج الثاني لنظرية اللعبة فهو اللعبة غير الصفرية حيث تكون الخيارات المطروحة أمام الطرفين “أ” و “ب” هي ألا يكبد أحدهما الآخر خسائر مطلقة وألا يتوقع أحذ الأطراف أقصى درجات الخسائر.

إذا كانت طبيعة العلاقات الدولية وما زالت تطبعها تناقضات تمزج بين المصلحة والتعاون، إذ تميل كفة المصلحة في غالبية الأحيان لتدبير الشأن الدولي، فصيرورة النظام الدولي في مراحل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكذا أثناء الحرب الباردة، ليست كتلك التي تحكم مراحل ما بعد الثنائية القطبية، حيث ظهرت قضايا أكثر تعقيدا وأهمية أرخت بثقلها على النظام الدولي.

فسيناريوهات العلاقات الدولية تتغير بتغير تأثير قضايا ذات بعد اقتصادي وسياسي لا تقل أهميتها عن التي ترتبط بالمجال الأمني والصحي والبيئي…، فإذا كانت كفة الهيمنة في بداية القرن قد مالت للولايات المتحدة بسبب توظيف عامل الإرهاب الذي غزى العالم، وظهرت القوة الأمريكية بانفرادية لتصول وتجول في كل أرجاء العالم للدفاع عن السلم والأمن الدوليين باسم محاربة الإرهاب، بحيث ذهب العديد من الخبراء إلى تصنيف الحرب العالمية على الإرهاب ضمن الحروب التي تتيح لقوة عظمى فرض الهيمنة… فإن ملامح قوى دولية أخرى بدأت تنحوا منحى الهيمنة الأمريكية لكن بطرق مغايرة أكثر نجاعة وتأثير في منظومة العلاقات الدولية، على غرار الصين وقوى أخرى التي ركزت أكثر على المنظور الاقتصادي لغزو العالم، إذ وصلت المنتجات الصينية إلى كل أرجاء المعمور…

ساهم هذا التحول في تفشي العديد من القضايا لها خط التماس أكثر بكل الإنسانية، وهو ما نلاحظه في الشهرين الأخيرين بسبب وباء كورونا الذي فتك بدول تتغنى بنمو اقتصادها ومنظومتها التنموية وتنصب نفسها مدافعا عن السلم والأمن الدوليين كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وغيرها…

حين ظهر فيروس كوفيد 19 في  أواخر السنة الماضية ببلاد الصين كان معظم سكان العالم لا ينتظرون كسحه لبلدان يقام لها ويقعد في المنتديات الدولية، والتي تعد سياستها وحي العالم يجب الأخذ به أو يكفر تاركه، فهذه العدوى لم تستثني دولة ديمقراطية أو استبدادية، بل سار يغزو العالم كالنار في الهشيم…

لا نريد هنا الدخول في حيثيات كيفية ظهور هذا الوباء قدر ما نتفاءل بإخماده وما سيترتب عنه بعد ذلك في أجندات المجتمع الدولي، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تقود العالم وتقدم المساعدات للدول المتضررة، فإنه اليوم أصبح من البديهي قبل المسلم به أن أمريكا تتقاطر عليها المساعدات من الصين وروسيا، وهي رسالة واضح أن طبيعة العلاقات الدولية أضحت تفهم أن ليس هناك فاعل دولي قوي ومهيمن، وبات يستدعي الأمر الاستفادة من هذه الخلخلة التي أنتجها وباء كورونا ليس فقط على مستوى المجتمعات المحلية وإنما حتى على صعيد التعاون الدولي.

لقد قيل الشيء الكثير حول هذا الفيروس وسجلنا تراشقا بين زعماء الدول فيما يخص تفشي الظاهر، لكن حتى هؤلاء اليوم صارت لديهم قناعات أن هذه العدوى يجب التغلب عليها في أقرب  وقت ممكن ولا يجب التهاون ومضيعة للوقت في تبادل الاتهامات، إذ أن أمريكا اليوم أكثر الدول المتأثرة بهذا الفيروس كباقي دول الاتحاد الأوروبي  وغيره.

ففي اعتقادنا أن المنظومة الدولية ما بعد هذه الأزمة ستتم إعادة صيغتها ليس فقط فيما يرتبط بتحول مسار القوى الدولية وإمكانية الحديث عن إعادة إنتاج قوة دولية جديدة أو ثنائية قطبية أو ثلاثية قطبية أو حتى تكتلات دولية لا تقف عند العامل الجغرافي كضرورة لها، بل أن الأمر يتجاوز المطلوب خاصة فيما يتعلق بالمنظمات الدولية والإقليمية التي يجب عليها التركيز أكثر عن أولويات تتجاوز اعتماد القوة لتشمل اهتماماتها بمثل هذه الأزمات الخطيرة، لأن هذا الفيروس سيتيح المجال أكثر لظهور أمراض أكثر خطورة من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يجب أن نتجاوز تبعات هذه الأزمة خاصة على المستوى الصحي…

يجب على المجتمع الدولي أن يعمل على الأخذ بعين اعتبار التربية على الأخطار والأوبئة، وأن يقلص من تداعيات هذه الأزمات، وهنا لا نقف عند هذه التربية على الأخطار غلى الصعيد الدولي فقط، وإنما يجب على كل دولة من دول العالم أن تعمل على زرع هذه التربية في مجتمعاتها، فالتربية على المواطنة أساسها التربية على الأخطار لحماية هذه المواطنة.

إعلان gardenspacenouaceur

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى