
السفير 24 – محمد طمطم
تلعب المدارس العتيقة والمدارس القرآنية دورا محوريا في المجتمع المغربي، وخصوصا بمنطقة سوس العالمة، حيث تعمل هذه المدارس والمؤسسات كحاضنة تربوية تعليمية لترسيخ القيم الإسلامية والهوية الحضارية المغربية، وتساهم في تنشئة أطفالنا وشبابنا من خلال تحفيظ القرآن الكريم، وتربية النشء على الأخلاق الإسلامية الحميدة، وغرس روح التضامن الاجتماعي بين جميع فئات المجتمع المحلي، إضافة إلى حماية الأطفال من الانحراف الأخلاقي والفكري.
والمدارس العتيقة هي مؤسسات تعليمية دينية تقليدية عريقة، عرفها المغرب منذ قرون عديدة وانتشرت بكثرة ببوادي سوس “سوس العالمة”، والتي لعبت ولا تزال تلعب دورا كبيرا في حفظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية من حديث وفقه وقرآن وسيرة وأصول وميراث… لأجل تعزيز الأمن الروحي للبلد والهوية الحضارية المغربية. وتقوم هذه المدارس العتيقة بتحصين المجتمع ضد التطرف الديني، من خلال نشر قيم الاعتدال والتوسط عبر تخريج أئمة وفقهاء ووعاظ وعلماء تشبعوا بالمذهب السني المالكي.
ورغم وجود التحديات المتعلقة بالتحديث والعصرنة، تظل المدارس العتيقة مؤسسات إشعاع تعليمي وعلمي وتربوي بارزة في المشهد الديني المغربي إلى يومنا هذا، ومن مشاهد وصور هذا النبوغ التعليمي العتيق في مجتمعنا المحلي، يمكن الاستشهاد بعشرات بل بمئات من المدارس العتيقة المنتشرة في بوادي وحواضر سوس، ويمكن الاستدلال بذلك من خلال ما كتبه ونشره وأذاعه المؤرخ السوسي المشهور صاحب “المعسول” محمد المختار السوسي، كما لا تزال هذه المدارس تقوم بدورها في نشر العلوم الشرعية وتدريسها فقها وأصولا وحديثا وقرآنا.
وتقام في بلاد سوس محطتان أساسيتان لإبراز قيمة ودور هذه المدارس:
المحطة الأولى تتمثل في موسم “تاعلات”، والذي هو أشبه بموسم عكاظ في القراءات القرآنية، تحضره كل المدارس العتيقة من جميع ربوع الوطن ويحجه الآلاف من حفظة كتاب الله تعالى، في جو احتفالي ديني مهيب. وإن هذا الموسم ليس لأجل القراءة أو الاستعراض، وإنما لأجل إيصال رسالة سامية مفادها أن المغرب محصن دينيا وحضاريا، مع التأكيد على ارتباط المغاربة بالدين والعلم والشرع، ارتباط موروث أبا عن جد وعبر عصور متواصلة يحافظ فيها المغاربة على هذا الإرث الديني المقدس.
أما المحطة الثانية في سوس فهي اللقاءات والاجتماعات والندوات والمنتديات التي تقام في مختلف الفضاءات الثقافية والجامعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر الموسم السنوي لمدارس العتيقة بتارودانت، الذي تنظمه “مؤسسة سوس للمدارس العتيقة”، والذي أطفأ هذه السنة شمعته الحادية عشرة، واختار له المنظمون شعار: “السيرة النبوية: نبراس ومنهاج”، مستلهمين روحه وعمقه من الرسالة الملكية السامية بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
نتمنى أن تستمر مثل هذه المبادرات وأن يتسع مداها لتصل وتتواصل مع كافة ربوع المملكة السعيدة، خصوصا وأنها تحتاج إلى تطوير وتعزيز لتتلاءم مع التطورات التقنية الحالية، ولم لا أن تكون جامعة مفتوحة على كافة الفعاليات والكفاءات العلمية والجامعية لتساهم في تطوير هذا الصنف من التعليم العتيق، والذي لا يزال بعيدا عن الأهداف السامية التي يتوخاها أمير المؤمنين من أجل تعزيز وترسيخ القيم الإسلامية، قيم الاعتدال والتوسط ضد الانجراف نحو التطرف.
فالعالم اليوم عالم الرقمنة والتكنولوجيا الإعلامية، وهو عالم صغير يمكن التواصل عبره بوسائل الاتصال الحديثة، لذلك نتمنى أن يتطور عمل هذه المؤسسة وألا يبقى متقوقعا بين الجدران الجامدة في قاعات مغلقة غير مفتوحة على العالم الخارجي. كما أن المؤسسات الموازية كقطاع التعليم والثقافة والشباب يجب إشراكها في هذا المشروع الذي يمكن أن يحصن أخلاقنا وقيمنا ويعطي لهذه المؤسسات دورا تنويريا. وكما أن الرسالة الملكية الداعية إلى الاحتفال هي رسالة موجهة إلى الجميع مسؤولين ومواطنين ومؤسسات ووزارات وقطاعات، والكل معني بالتعريف بدور المؤسسات التعليمية العتيقة في ترسيخ النموذج المغربي في الاعتدال.
هذا الهدف المشروع والمأمول لا يمكن أن يتحقق إلا إذا قامت هذه المؤسسة ومن على شاكلتها بالانفتاح على هذه الجهات وخصوصا قطاع الإعلام والتعليم، وإن شاء الله ينبغي أن يتدارك المسؤولون هذه الكبوة في الدورات القادمة. ودفاعنا عن هذا الرأي في الانفتاح نابع من كون أن العروض العلمية الرصينة التي قدمت في هذه الندوات يجب ألا تبقى سجينة القاعات المغلقة والتقارير الروتينية الجامدة.
إن أيام الموسم السنوي للمدارس العتيقة بسوس كانت أياما علمية وأكاديمية وتربوية وفنية، واستمرت من 14 أبريل إلى 21 منه، وهو أول موسم سنوي لأهل القرآن يحقق هذا الرقم في أيامه وعدد ندواته وأمسياته، والتي تم توزيعها وبرمجتها على فترات صباحية ومسائية، واحتضنت فعالياتها قاعات ومركبات ومساجد، وتخللتها زيارات ميدانية لبعض المدارس العتيقة.
وقد توزعت الأنشطة العلمية إلى (اثني عشر نشاطا علميا) بتقديم ما مجموعه حوالي (34) عرضا أكاديميا قدمها وأطرها أساتذة جامعيون وفقهاء وعلماء وأطر من مختلف المؤسسات الجامعية، وكذا العاملة بالمجالس العلمية المحلية والجهوية، ومن المندوبيات التابعة لوزارة الأوقاف ومن داخل الإقليم وخارجه. وبالموازاة مع هذه الأيام كانت تنظم أمسيات دينية بحوالي سبع أمسيات فنية متنوعة قدمها تلاميذ وتلميذات قدموا من مختلف المدارس العلمية العتيقة بكل من: سيدي إفني وتارودانت وتزنيت.
كما تم تكريم ثلة من العلماء وبعض الفعاليات وكذا الفائزين في مختلف المسابقات التي نظمت بالمناسبة، واختتمت أيام الموسم السنوي للمدارس العتيقة بتلاوة برقية ولاء وإخلاص للسدة العالية بالله، والدعاء الخالص لأمير المؤمنين ولكافة أفراد الأسرة الملكية وللشعب المغربي.



