في الواجهةكتاب السفير

الإدارة و دكتاتورية المواطن:

le patrice

* يسين العمري

هذا المقال هو الجزء الثاني لسابقه المعنون ب “الإدارة على المحكّ”، الذي استعرضنا فيه حالات تعرّض رجال سلطة و أمن للتعنيف و الشتم و الإهانة و التهديد، أثناء قيامهم بمهامّهم الإدارية و واجباتهم القانونية المنصوص عليها في القوانين المنظمة لعملهم، و قرعنا جرس الإنذار فيما يخصّ تزايد هذه الحالات و انتشارها كالنّار في الهشيم، ممّا يجعل صورة و هيبة الإدارة على المحكّ، و تهتزّ بشكل مخيف و خطير جدّاً لدى المواطنين.

و في هذا المقال، سنستعرض بعض الأمور التي قد تؤدّي لها ازدياد وتيرة دكتاتورية المواطن إزاء الإدارة، و الدّور التخريبي –للأسف- لبعض الصّحفيين، و وسائل التواصل الاجتماعي، مع بعض المقترحات للخروج من هذه الورطة الحقيقية.

1– مآلات ازدياد تعرضّ الإدارة للإزدراء و التعدّي من طرف المواطن:

إنّ الازدياد المطّرد للتّعدّي اللفظي و الجسدي على رجال السلطة و رجال الأمن، من طرف مواطنين، و عدم التّعامل مع هذه التّعدّيات بشكل حاسم و حازم من شأنه أن يردع أيّ سلوك يقلّل من قيمة و احترام موظفي الإدارة، يجعل هؤلاء الأخيرين ينظرون بعين الرّيبة و التقاعس في إنجاز مهامّهم و التّفاني في ذلك، بما أنّ القيام بمهامّهم قد يجعلهم عرضة للتعنيف بأشكاله و أنواعه، دون أن يتمّ إنصافهم، و مردّ ذلك للفهم الخاطئ و القاصر للمقاربة الحقوقية التي انخرط فيها المغرب، إذ المواطنون (بعضهم أو جلّهم) تلقّوا رسالة ذهنية خاطئة بخصوص حقوق الإنسان و إلزامية انخراط الإدارة بشكل إيجابي في هموم المواطن، و فهموها على نحو سيء و مبتذل و مجزأ، ذلك أنّ الحقوق أي حقوق لا بدّ و أن تقابلها واجبات، و أنّ الحرص على كرامة المواطن و حقوقه (و هو أمر محسوم لا نقاش فيه)، لا بدّ أن تقابله حقوق الموظّف و رجل السلطة و رجل الأمن الذي ينجز مهامّه خدمة لذلك المواطن.

يجب أن يفهم النّاس أنّه عندما يتمّ إخلاء بائع جائل مثلاً من مكان ما، فهو يتمّ بناءً على شكايات الجيران، أو لأنّ ذلك المكان غير مخصّص للباعة الجائلين، أو لأنّ  هؤلاء يقومون باستغلال عشوائي للملك العمومي، ممّا يعوق حركة السير و الجولان أمام الأفراد و المركبات، و أنّ تدخّل الإدارة، لا يكون لقطع رزق ذلك البائع، و هذه فكرة أرفضها تماماً، لأن من يعطي و يقطع الأرزاق هو الله، و ليست الإدارة أو أشخاصها، مهما بلغ شأنهم و منصبهم، و لكن تدخّل الإدارة يكون لفرض القانون، حتى لا نعيش الفوضى و قانون الغاب و عصر ما قبل المدنية، بل بالعكس ما تقوم به الإدارة هو تنظيم أولئك الباعة في مكان معيّن و أكثر من ذلك هي تمنحهم العربات و الدّراجات ثلاثية الدفع للاشتغال، و بالتالي فهي تحاول التنظيم في مجتمع لا يحبّ إلا الفوضى.

إنّ عدم فهم النّاس لطبيعة عمل الإدارة، و ردّ فعلهم العدواني و سلوكهم العنيف المفرط في الحساسية، تجاه أي تحرّك للإدارة لفرض أحكام القانون، و ما ينتج عنه من سلوكات عنيفة ضد الإداريين، يقذف الرّعب في قلوب و أفئدة هؤلاء، على نحو قد يجعلهم لا يؤدّون عملهم على النّحو الأمثل، و هذا أمر منطقي، فقد يتساءل أحدهم ربّما تفانيً في أداء عملي قد يرسلني إلى الرّوضة أو السّجن أو المستشفي بإعاقة، و قد يشوّه صورتي، و قد يتطاول ليصل إلى عائلتي.

2– الدّور التخريبي لبعض الإعلام و وسائل التواصل الاجتماعي:

لا مناص من الاعتراف أنّ قانون الصّورة ليس حازماً بما يكفي للحدّ من ظاهرة التصوير بالهواتف النّقالة، التي وصلت لحدّ الإسهال كريه الرائحة فاضح المعاني فارغ النتائج، فأصبح كلّ من هبّ و دبّ من ذوي النيات السيئة و الخبيثة، يحمل هاتفاً نقّالاً و يعتقد إمّا جهلاً بجهالة أو تجاهلاً بنية خبيثة، أنّه بإمكانه التشويش على عمل الإدارة و توريطها و التشهير بأفرادها و تشويه سمعتهم، و التلبيس على الرأي العام و تغليطه، فيصوّر جزءً من الحقيقة، ممّا يجعل الصورة مجتزأة و غير مكتملة الأركان، بما يؤهّل الجمهور للحكم الموضوعي على حقيقة الأشياء، فمثلاً تظهر بين الفينة و الأخرى فيديوهات بعناوين تحريضية ضدّ الإدارة أو أحد رجالها، من قبيل “قائد يسلب بضاعة بائع”، أو يعتدي على … إلى آخره من العناوين الرخيصة التي تسعى من خلفها بعض الأقلام المرتزقة و المراهقة لبعض وسائل الإعلام الصفراء، و طبعا لا يمكن التعميم في هذا المقام، لا سيما أنني من المنتمين لحرفة الصحافة تكويناً و ممارسة، و لا يمكن لي أن أزايد على زملاء الحرفة، لكن بعض الطفيليين على هذا المجال، جعلهم يساهمون في إعطاء سمعة في الحضيض لهذه الحرفة النبيلة، التنويرية بالأساس.

فمثلا تجد أنّ الصحفي لا يكلّف نفسه عناء مراجعة مطابقة الخبر، و يستند على ما يقوله طرف واحد، في حين أنّ الأمانة المهنية و أخلاقيات المهنية، إضافة للعدالة و المنطق، تقتضي ربط الاتصال بالطرف الآخر لمعرفة موقفه، و من ثمّ استعراض وجهتي النظر بحيادية و نزاهة.

أمّا مواقع التواصل الاجتماعي، فجلّها إن لم نقل كلّها تحامل ضدّ الإدارة، و لا ترى سوى الجانب المظلم من الصّورة، و يتمّ تداول أشياء غاية في الخطورة، مثل قائد “الدروة” الذي تمّ استدراجه في كمين “هوليودي” بواسطة امرأة، و حجزه و اختطافه، و استنطاقه بطريقة مهينة تقلّل من احترام “المخزن”، و تضرب بهيبته أسفل السافلين، و تضرب صورته في المخيال الجمعي في مقتل، و طبعاً إن اهتزّت هذه الصورة و ازداد الشرخ عمقاً، فهناك مخاطر محدقة تتربّص بهذا الوطن، و تسعى لإحداث الفوضى فيه.

أنا لا أشيطن أحداً و لا أدافع عن أحد، بقدر ما ألفت الانتباه لمشكلة عويصة.

3- مقترحات للإدارة:

لا شكّ أنّ الإدارة تبذل مجهودات لا تخطئها العين، بالرغم من وجود أفراد منها متقاعسين أو متواطئين أو ما شاء القارئ، لكن كذلك لا ينبغي التبخيس من عملها أيضاً، فكلّ كأس فيه الشّقّ الفارغ و الشّقّ المملوء، و الموضوعية تقتضي النظر للشقين معاً بدون تحيّز و بدون ممالأة.

و عليه، أرى أنه على الإدارة تحسين صورتها السوداء لدى عموم المواطنين، و ذلك من خلال تعيين أناس أكفاء متخصّصين و مؤهّلين، لتقديم حصيلة سنوية أو دورية لعموم المواطنين و فعاليات المجتمع المدني، بحضور الصحافة، بحيث يتمّ تخصيص أيام تواصلية، تقدّ من خلالها بالأرقام حصيلة عمل الإدارة.

من جهة أخرى، على الإدارة ألّا تتنازل عن حقّها في متابعة أي مواطن يعتدي لفظيا أو جسديا على أحد أفرادها، لأنّ من أمن العقوبة أساء الأدب، و نفس الشيء بالنسبة لأيّ صحفي يكتب خبراً كاذباً أو زائفاً، دون التّأكّد من موقف الإدارة.

  • باحث في القانون الخاص و الإعلام.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى