أقلام حرة

العرب و المضي نحو المجهول!

isjc

الصادق بنعلال – كاتب 

بمجرد أن حصلت الأقطار العربية على استقلالها و استرجاع “حريتها ” من المحتل الأجنبي منذ  حوالي الأربعينيات من القرن العشرين، و هي في صراع متواصل مع الذات و الآخر،  وقد كانت السلطة و مازالت عصب التناحر الدراماتيكي بين الحاكمين المحظوظين و الشعوب المحرومة ، تلك السلطة القائمة على الرغبة الجامحة في التحكم و الاستئصال و القمع، و الوقوف في وجه أي نزعة نحو انتقال ديمقراطي نوعي، يروم تمكين ” المواطنين” و تأهيلهم للتعاطي الإيجابي مع معترك الحياة الاجتماعية  بمعناها الشامل، و مأسسة الفاعلية السياسية و عقلنتها بالشكل الذي يتماشى و منطق الدولة المدنية الحديثة.

و هكذا كان نصيب كل من تجرأ من المناضلين الشرفاء القوميين و الاشتراكيين و الشيوعيين و الليبراليين و الإسلاميين على أصحاب ” الفخامة و السمو ” ، و اقترح نهجا سليما في الحكامة الرشيدة و القيادة الراجحة .. كان نصيبه كل ما يخطر و ما لا يخطر على بال أحد من المعاناة و الحرمان و الجبروت  الرمزي و البدني ، مما أفضى إلى انتشار معالم اليأس و الإحباط و فقدان الأمل بأي حلم في رؤية الضوء في آخر النفق، خاصة و أن الزعماء العرب الأشاوس قرروا بأنفسهم و ” نيابة ” عن شعوبهم أن يواجهوا ” بتحد و صمود ” إسرائيل ” عدوهم ” الأول، و يحرروا فلسطين “كل ” فلسطين، بعد ذلك ينعمون بمتسع من الزمن لتحقيق ” الوحدة العربية ” و الديمقراطية و التقدم و التنمية .. فلا هم حاربوا إسرائيل و لا هم أقاموا نظاما سياسيا عادلا . و جرت مياه غزيرة تحت جسر الأمة العربية الجريحة، لنستيقظ  في سنة 2011 على أصوات الشباب العربي غير المسيس، و هي تنادي في ساحات التحرير بالعدالة و الحرية و الكرامة الإنسانية و إسقاط الفساد و الاستبداد، مما أدى إلى إزاحة بعض رموز الغطرسة في مصر و تونس و ليبيا و اليمن . . على أمل بلورة انعطافة سياسية مفصلية، تقطع مع ممارسات تجويف المجتمع من قواه الحقيقية سياسيا و ثقافيا و إعلاميا و اجتماعيا، و ترنو إلى بناء تجربة سياسية تستحضر مستلزات الحداثة و آليات الفاعلية الديمقراطية بمعناها الكوني.

بيد أن جيوب مقاومة التغيير في الدولة العميقة أبت إلا أن تجعل من الربيع الديمقراطي  الواعد خريفا عربيا يقطر دما و ألما وظلما ! و انقلبت على الاستحقاقات الشرعية و المؤسسات المنتخبة في مناخ من التنافس الحر و المواجهة الشفافة. فماذا ربح المنتكسون من عرقلة الانتقال الديمقراطي المجهض ؟ و ماذا قدموه لأجيال الأمة من نماء و تقدم، غير الإمعان في الاستئصال و التفرد بالحكم، و الزج بالمخالفين و أصحاب الرأي المستقل في غياهب السجون و المنافي؟ إذا تأملنا الوضع الجيوسترانيجي المحيط بالمنطقة العربية لاحظنا بجلاء أننا أمام دول كبرى بمشاريع عملاقة اقتصاديا و عسكريا و اجتماعيا : تركيا و إيران و إسرائيل ؛ فعلى الرغم من التناقضات الحادة بين هذه الأقطاب الكبرى إلا أنها تميل ميلا إلى بناء قدراتها السياسية و التنموية بإصرار لا غبار عليه ، أما الكيانات العربية الكبيرة و الصغيرة ، و هل هناك فرق ؟ فقد آلت على نفسها أن تسترجع حروب  البسوس و داحس و الغبراء ، و تجتهد اجتهادا في محاصرة بعضها ، و تتأهب لمواجهة ” أشقائها ” بأحدث  الأسلحة ، و ترمي بها في هوة الخراب ، ألسنا أمة ضحكت من جهلها الأمم ؟

لا يشك أي متابع محايد للوضع السياسي الإقليمي و العالمي ، في أن العرب و بعد أن أبدعوا  في ضياع فرص النهوض الحضاري المأمول، سائرون  إلى حتفهم ، و ماضون إلى المجهول عن سبق إصرار و ترصد، بل إنهم صاعدون بحماس إلى الهاوية، إلا إذا حدثت معجزة في زمن لا يؤمن إلا بالقوة الفاعلة و العقل الراجع و العمل الدائم ، و هذا ما لا نراه في أمة لها قابلية الانهيار  !

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى