
السفير 24 – بقلم: حسن راقي، مدير النشر
كلما حقق المغرب مكسبا جديدا في مسار الدفاع عن وحدته الترابية، عادت بعض المنابر الإعلامية الجزائرية إلى لغة التصعيد والتشكيك، وكأن نجاح المملكة في ترسيخ موقفها الدبلوماسي أصبح مصدر إزعاج دائم لخطاب إعلامي لم يعد يجد في كثير من الأحيان سوى المغرب مادة جاهزة لتوجيه سهام الانتقاد والاتهام. فبدل الانشغال بقضايا المواطنين وتحديات التنمية والاقتصاد والحريات ومستقبل المنطقة المغاربية، تصر بعض الأصوات الإعلامية على استنزاف مساحات واسعة من خطابها في مطاردة المغرب، ومحاولة التشويش على مساره، وتقديم قراءات انتقائية ومغلوطة لقضية الصحراء المغربية.
غير أن ما يغيب عن أصحاب هذه الحملات هو أن قضية الصحراء المغربية ليست خبرا عابرا يمكن تغييره بعناوين مثيرة أو تحليلات مشحونة، وليست ملفا يمكن حسمه بالصراخ في الاستوديوهات أو بتكرار الأطروحات نفسها عبر منصات إعلامية متعددة. إنها قضية وطنية راسخة في وجدان المغاربة، لها امتدادات تاريخية وسياسية وإنسانية، وتدافع عنها المملكة بمؤسساتها وشعبها ومواقفها الرسمية، وفق رؤية استراتيجية لا تخضع لمنطق الاستفزاز ولا تتأثر بحملات التضليل مهما تعددت مصادرها وأشكالها.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب بناء علاقاته الدولية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا تزال بعض الأصوات الإعلامية في الجزائر أسيرة خطاب المواجهة، الذي يحاول تصوير كل تقدم مغربي باعتباره خسارة للآخر. وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يطرح بكل وضوح: لماذا يتحول المغرب إلى موضوع شبه دائم في بعض البرامج والمنابر الجزائرية؟ ولماذا لا تحظى التحديات الداخلية التي تواجه المواطن الجزائري بالقدر نفسه من النقاش والاهتمام؟ أليس من الأجدر أن تتجه هذه الطاقات الإعلامية إلى مناقشة قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والسكن والتنمية وتحسين الخدمات العمومية، بدل البحث المستمر عن شماعات خارجية لتبرير التوترات الإقليمية؟
إن النقد الإعلامي حق مشروع، لكن تحويله إلى حملة ممنهجة لتشويه صورة بلد جار لا يخدم لا الحقيقة ولا مستقبل المنطقة. كما أن الاختلاف في المواقف السياسية لا يمنح أي وسيلة إعلامية الحق في اختلاق الوقائع أو اجتزاء المعطيات أو تقديم الادعاءات باعتبارها حقائق ثابتة. فالصحافة مسؤولية قبل أن تكون منبرا، والمهنية تقتضي التمييز بين الخبر والدعاية، وبين التحليل السياسي والموقف الإيديولوجي، وبين الدفاع عن وجهة نظر معينة ومحاولة تضليل الرأي العام.
وفي المقابل، اختار المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، مسارا مختلفا في تدبير قضية وحدته الترابية، قوامه النفس الاستراتيجي والهدوء الدبلوماسي والعمل المتواصل على توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهي مقاربة لا تقوم على الانفعال أمام التصريحات المعادية، ولا على الدخول في سجالات إعلامية عقيمة، وإنما على بناء الشراكات وتعزيز الثقة وتقديم مقترح سياسي يراعي خصوصية المنطقة ويفتح آفاقا لحل واقعي ودائم.
وتتجلى حكمة جلالة الملك في قدرته على الجمع بين الثبات على الثوابت الوطنية والانفتاح على محيط المملكة، وبين الدفاع الحازم عن السيادة المغربية وتجنب الانجرار إلى منطق التصعيد. فقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية الرصينة لا تحتاج إلى ضجيج يومي حتى تحقق نتائجها، وأن قوة الدول لا تقاس بحدة تصريحات مسؤوليها أو منابرها، بل بقدرتها على بناء التحالفات وتحصين مصالحها وتعزيز مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي.
ولعل التطورات التي عرفها مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، وما أعقبها من عدم اعتماد مشروعي قرار بشأن ولاية بعثة المينورسو، كشفت مرة أخرى حجم الاختلاف في المقاربات الدولية بشأن مستقبل هذا الملف. وقد عبر بلاغ الديوان الملكي عن الموقف المغربي من هذا التطور، مؤكدا استمرار المملكة في التمسك بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومواصلة الدينامية الدبلوماسية التي أطلقها جلالة الملك. وفي المقابل، عبرت الجزائر عن رفضها للتوجه الذي تضمنه المشروع الأمريكي. وهي معطيات تؤكد أن المرحلة تقتضي قراءة دقيقة ومسؤولة، بعيدا عن التهويل والتأويلات التي لا تسندها الوقائع.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الخطابات الإعلامية المعادية للمغرب تحاول تسويق صورة عن المملكة باعتبارها بلدا يعيش على وقع الأزمات، متجاهلة التحولات التي تعرفها بنياته التحتية والاقتصادية والمؤسساتية، والاستثمارات الكبرى التي أطلقها، ومشاريعه الاستراتيجية في مجالات الصناعة والطاقات المتجددة والموانئ والطرق والسكك الحديدية والرياضة. ولا يعني ذلك أن المغرب بلا تحديات أو اختلالات، فالمملكة تواجه بالفعل إكراهات اجتماعية واقتصادية تتطلب المزيد من الإصلاح والعمل، لكن الاعتراف بالتحديات ومعالجتها يختلف تماما عن توظيفها في حملات التشفي والتضليل.
ومن حق المغاربة أن ينتقدوا سياسات حكومتهم، وأن يطالبوا بتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وأن يطرحوا الأسئلة الصعبة حول تدبير الشأن العام، لكن ذلك لا يتعارض إطلاقا مع الدفاع عن الوحدة الترابية، بل يعكس حيوية المجتمع المغربي وثقته في حقه في النقاش والمحاسبة. فالمغرب ليس في حاجة إلى إخفاء مشاكله حتى يدافع عن قضيته الوطنية، كما أن وجود تحديات داخلية لا يمنح أي جهة خارجية الحق في التشكيك في وحدته أو استهداف مصالحه.
ومن هذا المنطلق، فإن الرد الحقيقي على حملات التضليل لا يكون بإعادة إنتاج خطاب الكراهية أو الانزلاق إلى الإساءة للشعب الجزائري، الذي لا ينبغي اختزال مواقفه في ما تروجه بعض المنابر أو تعلنه بعض الجهات السياسية. فالشعوب ليست خصما لبعضها، والتاريخ والجغرافيا يفرضان على البلدين الجارين البحث عن مستقبل أفضل، بعيدا عن منطق العداء الذي لا ينتج سوى مزيد من التباعد وإهدار فرص التعاون المغاربي.
إن ما يحتاجه المغرب اليوم هو إعلام وطني قوي، متماسك ومهني، قادر على مخاطبة الرأي العام الدولي بلغات متعددة، وتقديم الوثائق والمعطيات التاريخية والسياسية والقانونية، ومواجهة المغالطات بالحجة والبرهان. فالدفاع عن الصحراء المغربية ليس مجرد شعار يرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية إعلامية وثقافية ودبلوماسية تتطلب التكوين والبحث والتوثيق واليقظة، حتى لا تظل الساحة الدولية حكرا على الروايات التي تصنعها الأطراف المناوئة للمملكة.
وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يفهم من يراهنون على حملات التشويش أن المغرب لا يبني مستقبله وفق ما تكتبه بعض الصحف الجزائرية أو ما تبثه منصات معادية، ولا يحدد خياراته بناء على ردود الفعل. فالمملكة ماضية في مسارها، مستندة إلى مؤسساتها وإرادة شعبها ورؤية ملكها، ومتمسكة بحقها في الدفاع عن وحدتها الترابية بكل الوسائل المشروعة.
فالصحراء المغربية ليست موضوعا للمزايدات الإعلامية، والوحدة الترابية ليست مادة للمساومة، والمغرب أكبر من أن تستفزه حملات عابرة أو تربكه روايات انتقائية. أما التاريخ فلا تكتبه العناوين المضللة، ولا تحسمه الأصوات المرتفعة، وإنما تصنعه الوقائع والثبات والعمل والدبلوماسية الحكيمة.



