
السفير 24
أثار نظام “التوقيت الميسر” بالجامعات المغربية نقاشا واسعا، بعدما انتقل من مجرد آلية لتمكين الموظفين والأجراء من استئناف مسارهم الجامعي إلى منظومة ترتبط بأداء رسوم مالية، وهو ما يضع الجامعة العمومية أمام أسئلة حقيقية تتجاوز الجانب القانوني إلى قضايا الإنصاف والحكامة والجدوى العلمية.
وبالعودة إلى النص التشريعي الجديد، يتضح أن القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، المنشور في الجريدة الرسمية خلال فبراير 2026، نص في مادته 81 صراحة على إمكانية تنظيم مؤسسات التعليم العالي تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر والتكوين المستمر، لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وغيرهم من الراغبين في الاستفادة منها. وبالتالي، فإن أصل اعتماد هذا النمط أصبح مؤطرا بنص تشريعي واضح.
غير أن وجود السند القانوني لا ينهي النقاش، بل يفتح سؤالا آخر أكثر عمقا: كيف تحدد الجامعات قيمة الرسوم؟ وما المعايير المعتمدة في تحديدها؟ وهل تتناسب الكلفة المطلوبة مع طبيعة التكوين والخدمات البيداغوجية والعلمية المقدمة؟ وهي أسئلة تكتسي أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بموظفين وأجراء يرغبون في مواصلة دراستهم دون التخلي عن التزاماتهم المهنية.
وفي هذا السياق، تبرز جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء باعتبارها واحدة من أكبر الجامعات المغربية من حيث عدد الطلبة والمؤسسات والتكوينات. غير أن الأرقام المنشورة في التصنيفات الدولية لسنة 2026 تفرض بدورها نقاشا هادئا حول المردودية العلمية والبحثية. فتصنيف ShanghaiRanking ARWU 2026 يضع الجامعة في الفئة 901–1000 عالميا، فيما يصنفها Times Higher Education 2026 في فئة +1501 عالميا، مع تفاوت واضح بين التخصصات؛ إذ تتواجد بعض المجالات، مثل علوم الحاسوب والهندسة والعلوم الاجتماعية، ضمن شرائح أفضل من الترتيب العام.
وهنا تحديدا يبرز السؤال الذي يستحق أن يطرح بعيدا عن المزايدات: إذا كانت الجامعة مطالبة بتحصيل رسوم من المستفيدين من التوقيت الميسر، فما الذي سيعود على هؤلاء مقابل هذه المبالغ؟ هل ستخصص موارد إضافية لتطوير التأطير البيداغوجي؟ وهل ستوفر ظروفا أفضل للبحث العلمي؟ وهل ستستفيد المختبرات والمكتبات والمنصات الرقمية من هذه المداخيل؟ ثم، في المقابل، ما هي آليات الشفافية التي تمكن الطالب أو الموظف من معرفة أوجه صرف الموارد المتأتية من هذه التكوينات؟
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن فلسفة التكوين المستمر نفسها. فالمشرع المغربي سبق أن وضع إطارا خاصا بالتكوين المستمر لفائدة أجراء القطاع الخاص من خلال القانون رقم 60.17، الذي صدر سنة 2018، بما يعكس اعتبار تأهيل الموارد البشرية استثمارا مشترَكا تتداخل فيه مسؤولية الدولة والمشغل والأجير، وليس مجرد عبء مالي فردي.

ومن جهة أخرى، فإن الجدل لم يعد مقتصرا على الأوساط الجامعية؛ فقد وصل إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجه سؤال كتابي إلى وزارة التعليم العالي حول تعميم التوقيت الميسر والرسوم المرتبطة به، مع إثارة قضايا المساواة وتكافؤ الفرص والولوج إلى التعليم. كما أن النقاش الأكاديمي والإعلامي حول مشروعية الرسوم وتحديد أسسها ما يزال متواصلا، رغم أن القانون الجديد حسم مبدأ إمكانية تنظيم تكوينات مؤدى عنها في هذا الإطار.

وبالنسبة إلى جامعة الحسن الثاني، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تحصيل مالي من الموظفين والأجراء، وإنما إلى إثبات أن التوقيت الميسر يشكل بالفعل فرصة أكاديمية ذات قيمة مضافة، وأن الرسوم المفروضة تقابلها خدمات وتكوينات وتأطير علمي يستجيب للمعايير التي تطمح إليها الجامعة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال المطروح اليوم ليس: هل يسمح القانون بالتوقيت الميسر المؤدى عنه؟ فالمادة 81 أجابت عن ذلك بوضوح. وإنما السؤال الأهم هو: من يحدد الكلفة؟ وفق أي معايير؟ أين تذهب المداخيل؟ وما الذي سيحصل عليه الطالب مقابل ما يؤديه؟
تلك هي الأسئلة التي تنتظر أجوبة دقيقة وشفافة من المسؤولين عن تدبير الجامعة، خصوصا في مؤسسة بحجم جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث لا يكفي أن يكون القرار مؤطرا بالقانون، بل ينبغي أيضا أن يكون مقنعا من حيث الحكامة والإنصاف والنجاعة وجودة التكوين.


