
السفير 24
مرة أخرى، تختار صحيفة “إل باييس” الإسبانية مقاربة تختزل المغرب في صورة نمطية جاهزة، متجاهلة طبيعة النظام السياسي والمؤسساتي للمملكة المغربية، ومتغاضية عن التحولات العميقة التي عرفتها البلاد خلال العقود الأخيرة تحت قيادة الملك محمد السادس.
ففي مادة نشرها مراسل الصحيفة بالرباط، خوان كارلوس سانث، يوم الأحد 13 شتنبر 2026، تحت عنوان يتناول الملك محمد السادس باعتباره “ملكا بسلطات واسعة، بعيدا عن المشهد العام”، جرى تقديم صورة تختزل آليات القرار في المغرب في شخص الملك ومستشاريه والأجهزة الأمنية، مع إغفال واضح للأدوار التي تضطلع بها الحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات الدستورية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في وجهات النظر أو بقراءة صحافية لها الحق في طرح الأسئلة، وإنما يتعلق بصورة اختزالية لبلد كامل، تختفي فيها مؤسسات الدولة وأحزابها ونخبها ومجتمعها، ويصبح المغرب، وفق هذه الرواية، مجرد قرار يصدر من مركز واحد.
والحقيقة أن المغرب أكبر بكثير من هذه الصورة المبسطة.
فالمملكة المغربية دولة ذات مؤسسات، يحكمها دستور واضح، وتعمل داخلها مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، إلى جانب الأحزاب السياسية والنقابات والجماعات الترابية والمنظمات المهنية وهيئات المجتمع المدني. كما أن الملك محمد السادس، بصفته ملكا ورئيسا للدولة، يمارس اختصاصاته في إطار الدستور، باعتباره الضامن لاستمرار الدولة ووحدتها واستقرارها ومصالحها العليا.
ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، عرف المغرب تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ودستورية متلاحقة، جعلت المملكة حاضرة بقوة في محيطها الإقليمي والدولي. وقد تعزز هذا المسار دستوريا من خلال دستور 2011، الذي كرس مجموعة من المبادئ المتعلقة بفصل السلط وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووسع مجالات المشاركة المؤسساتية والسياسية.
ومن ثم، فإن تقديم المغرب باعتباره دولة تختزل كل مؤسساتها وقراراتها في شخص واحد لا يعكس حقيقة البنية السياسية والمؤسساتية للمملكة، بقدر ما يعكس قراءة انتقائية تبحث عن قالب جاهز يمكن إسقاطه على الحالة المغربية.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه القراءة تأتي في سياق يعرف فيه المغرب حضورا متزايدا على الساحة الدولية، بفضل سياسة خارجية نشطة ومتعددة الأبعاد، وعلاقات استراتيجية مع قوى دولية وإقليمية، ودور متنام في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.
لقد أصبح المغرب، خلال السنوات الأخيرة، شريكا أساسيا للعديد من الدول الأوروبية في ملفات بالغة الحساسية، كما عزز حضوره الإفريقي، ووسع شراكاته الاقتصادية والاستراتيجية، واستعاد موقعه الطبيعي داخل محيطه الإفريقي، فضلا عن انخراطه في عدد من القضايا الدولية والإقليمية.
وهذه التحولات لا يمكن تفسيرها بمنطق “الدولة المغلقة” أو “النظام المنعزل”، لأن المغرب الذي تنسج حوله هذه الصورة هو نفسه البلد الذي يطور شراكات دولية واسعة، ويستقبل الاستثمارات، وينخرط في التعاون الأمني، ويدير ملفات إقليمية معقدة، ويحافظ في الوقت نفسه على ثوابته الوطنية وسيادته ومصالحه العليا.
أما محاولة ربط هذه الصورة بملف سبتة المحتلة، فإنها تستدعي بدورها الكثير من الحذر. فالقضايا المرتبطة بسبتة ومليلية ليست مجرد ملفات إعلامية عابرة، وإنما ترتبط بتاريخ طويل من السيادة والنزاع والاعتبارات الجيوسياسية، ولذلك فإن تناولها يحتاج إلى معرفة عميقة بالسياق المغربي والإسباني، وليس إلى استدعاء توصيفات جاهزة عن طبيعة النظام المغربي.
والمثير أن بعض التغطيات الإعلامية الإسبانية تبدو أحيانا وكأنها تنظر إلى المغرب من خلال عدسة الماضي، لا من خلال واقعه الحالي. فالمغرب الذي تغير كثيرا خلال العقود الأخيرة ما يزال في بعض هذه التغطيات محاصرا داخل صورة قديمة، تُقدَّم فيها الدولة باعتبارها بنية مغلقة، والمجتمع باعتباره مجرد تابع، والمؤسسات باعتبارها مجرد واجهات.
لكن المغرب الحقيقي أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
إنه بلد له مؤسساته وأحزابه وبرلمانه وحكومته وقضاؤه ومجتمعه المدني ونقاباته وجماعاته الترابية وإعلامه ونخبه السياسية والاقتصادية والثقافية، وفي الوقت نفسه يتمتع بخصوصية نظام ملكي دستوري يشكل فيه الملك محمد السادس مركزا أساسيا لاستمرارية الدولة ووحدتها واستقرارها وتوجيه خياراتها الاستراتيجية.
ومن الخطأ المنهجي أن يتم إسقاط نماذج سياسية أوروبية على التجربة المغربية، ثم اعتبار كل ما لا يتطابق معها دليلا على غياب الديمقراطية أو المؤسسات. فلكل دولة تاريخها وبنيتها السياسية والدستورية وخصوصياتها، والمغرب ليس نسخة من أي نموذج أوروبي، كما أن خصوصية الملكية المغربية لا يمكن فهمها خارج تاريخ الدولة المغربية وامتدادها المؤسساتي والحضاري.
بل إن قوة النموذج المغربي تكمن تحديدا في قدرته على الجمع بين الاستقرار والتحديث، وبين الحفاظ على ثوابت الدولة والانفتاح على التحولات، وهو ما جعل المغرب يحافظ على موقعه كدولة وازنة في منطقة شديدة التعقيد.
ومن هنا، فإن انتقاد بعض التغطيات الإسبانية لا يعني رفض النقد أو المطالبة بإسكات الأصوات المخالفة، وإنما يعني رفض أن تتحول الصحافة إلى وسيلة لإعادة إنتاج صور نمطية جاهزة عن بلد كامل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بموضوعات حساسة تتقاطع فيها السياسة مع الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاستراتيجية.
فالصحافة المهنية مطالبة قبل إصدار الأحكام بالبحث والتحقق والاستماع إلى مختلف الأطراف، والتمييز بين الوقائع والتحليلات والانطباعات. أما إطلاق أوصاف ثقيلة مثل “الديكتاتورية” ثم بناء قراءة كاملة للمغرب انطلاقا منها، فلا يقدم للقارئ فهما حقيقيا، بل يضعه أمام حكم مسبق يبحث عن ما يؤكده.
وإذا كانت “إل باييس” تريد فعلا فهم المغرب، فإن أمامها فرصة للابتعاد عن القوالب الجاهزة والنظر إلى المملكة كما هي اليوم: دولة مستقرة، ذات مؤسسات، يقودها ملك يتمتع بمكانة دستورية وتاريخية محورية، وتعمل داخلها حكومة وبرلمان وقضاء وأحزاب وهيئات ومؤسسات متعددة.
كما أن المغرب لا يحتاج إلى شهادة من صحيفة أجنبية حتى يثبت وجوده أو اختياراته أو شرعية مؤسساته. فالمملكة راكمت خلال السنوات الماضية حضورا إقليميا ودوليا جعلها شريكا لا يمكن تجاوزه في العديد من الملفات الاستراتيجية، وهو حضور لم يكن ليتحقق لولا الاستقرار الذي كرسته المؤسسة الملكية والسياسات التي قادها الملك محمد السادس.
إن المشكلة، إذن، ليست في أن تنتقد صحيفة إسبانية المغرب، فهذا جزء من حرية الصحافة، وإنما في أن يصبح النقد مبنيا على صورة مسبقة لا ترى في المغرب إلا ما تريد إثباته.
أما الحقيقة، فهي أن المغرب أكبر من مقال، وأعمق من صورة نمطية، وأقوى من سردية إعلامية عابرة.
ومهما تعددت القراءات الخارجية، فإن المملكة المغربية تواصل مسارها بثبات، بقيادة الملك محمد السادس، وبمؤسساتها الوطنية، وبشعبها الذي يدرك أن قوة الدولة واستقرارها وسيادتها ليست موضوعا للمساومة أو للاختزال في عناوين صحافية جاهزة.



