في الواجهة

حين يتحول النقد إلى استهداف.. المؤسسة الأمنية في مواجهة خطاب الإثارة

حين يتحول النقد إلى استهداف.. المؤسسة الأمنية في مواجهة خطاب الإثارة

REGION CASA SETTAT

السفير 24

حين يعجز بعض من يقدّمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب رأي ونقد عن إنتاج خطاب مهني قادر على إقناع القارئ، يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام ملاذ واحد: مهاجمة المؤسسات الأمنية، وكأن استهدافها أصبح وصفة جاهزة لاستعادة حضور فقدوه، أو وسيلة لإحياء أسماء لم تعد تجد في المشهد الإعلامي ما يكفي من الأضواء.

واللافت أن هذا المسار يتكرر كلما ضاقت مساحة التأثير، وتراجعت القدرة على تقديم منتج صحفي حقيقي، وتحول النقد من ممارسة مهنية مسؤولة إلى خطاب قائم على الإثارة والاتهام والتشكيك.

عندها تصبح المؤسسة الأمنية، بما تمثله من حضور وطني، مادة سهلة لإنتاج الجدل واستقطاب التفاعل.

وفي هذا السياق، يبرز سليمان الريسوني باعتباره أحد الأسماء التي اختارت، خلال الفترة الأخيرة، جعل المؤسسة الأمنية محورا أساسيا في خطابها، بدل الانشغال بقضايا المجتمع والتحولات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي يعيشها المغرب والمنطقة.

فبدل أن يكون القلم الصحفي أداة للفهم والتحليل وطرح الأسئلة بموضوعية، يتحول لدى البعض إلى منصة لإعادة تدوير ملفات قديمة، واستدعاء روايات مثيرة، وبناء سرديات تقوم على التشكيك في المؤسسات، وكأن الغاية لم تعد البحث عن الحقيقة، وإنما تثبيت رواية مسبقة مهما كانت المعطيات المحيطة بها.

وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل هذا هو المعنى الحقيقي للصحافة والنقد؟ وهل أصبحت المهنية تقاس بمدى القدرة على مهاجمة المؤسسة الأمنية ورموزها؟ أم أن الصحافة، في جوهرها، تقتضي قدرا أكبر من المسؤولية، والتوازن، والقدرة على التفريق بين النقد المشروع وبين تصفية الحسابات الشخصية؟

إن تكرار استهداف المؤسسة الأمنية المغربية، وشخص المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، لا يمكن اختزاله في كل مرة في خانة “حرية التعبير” أو “النقد الصحفي”. فالنقد الحقيقي لا يحتاج إلى المبالغة، ولا إلى بناء الأحكام على النوايا، ولا إلى تحويل كل واقعة إلى مؤامرة مكتملة الأركان.

كما أن المؤسسات الوطنية ليست مجالا مباحا لمن يريد صناعة الشهرة من خلال الاستفزاز المتواصل. فالمغرب، شأنه شأن أي دولة، يضم مؤسسات أمنية تقوم بأدوار محددة في حماية الأمن والاستقرار، وهي مؤسسات تخضع بدورها للقانون والمساءلة وفق الآليات التي يحددها الدستور والتشريع.

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع المغربي لم يعد يتلقى الخطابات السياسية والإعلامية بالبساطة نفسها التي كانت سائدة في السابق. فقد أصبح القارئ أكثر قدرة على التمييز بين النقد الذي ينطلق من معطيات ووقائع، وبين خطاب يستثمر في الإثارة ويبحث عن ردود الفعل أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

ولهذا، فإن مهاجمة المؤسسة الأمنية لا تمنح صاحبها بالضرورة صفة “المعارض” أو “الصحفي الحر”، كما أن رفع سقف الاتهامات لا يجعل الخطاب أكثر مهنية أو أكثر صدقية.
إن قوة الصحافة لا تقاس بعدد المؤسسات التي تهاجمها، ولا بحجم الضجيج الذي تحدثه مقالاتها، وإنما بقدرتها على تقديم الحقيقة كما هي، والتمييز بين الوقائع والاستنتاجات، واحترام حق القارئ في معرفة الصورة كاملة، دون انتقائية أو توظيف للأحداث لخدمة أجندة شخصية.

أما تحويل المؤسسة الأمنية إلى شماعة دائمة لتعليق الإخفاقات المهنية والشخصية عليها، فهو في النهاية لا يقدم شيئا للمجتمع، ولا يضيف قيمة حقيقية للنقاش العمومي.
لقد تجاوز المغرب مرحلة كانت فيها بعض الخطابات قادرة على فرض نفسها بمجرد رفع شعارات كبيرة من قبيل “السلطة الرابعة” و”حرية الصحافة”. اليوم، أصبح المطلوب أكثر من الشعارات: مهنية، أدلة، مسؤولية، ونزاهة في التعامل مع الوقائع.

ومن أراد أن ينتقد، فله كامل الحق في ذلك داخل حدود القانون وأخلاقيات المهنة؛ لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين تحويل الخصومة إلى مشروع دائم، وبين الصحافة التي تبحث عن الحقيقة والخطاب الذي يبحث عن المعركة.

وفي النهاية، ستظل المؤسسات الوطنية أقوى من حملات التشكيك العابرة، وسيبقى معيار الحكم الحقيقي هو قدرة صاحب القلم على تقديم ما يفيد المجتمع، لا مجرد قدرته على إثارة الضجيج حول نفسه.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى