
السفير 24 – الدار البيضاء
في تطور سياسي وتنظيمي بالغ الدلالة، اهتز البيت الاستقلالي بعمالة أنفا بالدار البيضاء، بعد أن وضع كاتب وأعضاء مكتب فرع حزب الاستقلال بمقاطعة سيدي بليوط، إلى جانب عدد من مناضلي الحزب، استقالتهم الجماعية على طاولة الأمين العام للحزب، نزار بركة، وذلك قبل أيام قليلة من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر الجاري.
وتكشف الوثيقة، التي اطلعت عليها “السفير 24″، أن الاستقالة الجماعية ل18 عضوا جاءت عقب سلسلة من الاجتماعات التنظيمية التي شاركت فيها غالبية أعضاء مكتب الفرع وعدد من الأطر والهيئات الموازية للحزب، من بينها الشبيبة الاستقلالية ومنظمة المرأة الاستقلالية، حيث خلص أصحابها إلى تسجيل ما وصفوه بـ”اختلالات تنظيمية وسياسية” داخل الحزب بعمالة أنفا.
وبحسب نص الاستقالة، فإن أصحابها حملوا مسؤولية جانب كبير من هذه الوضعية إلى البرلماني المنتهية ولايته ووكيل لائحة الحزب بأنفا، معتبرين أنه لم يقدم، وفق تعبيرهم، حصيلة مقنعة عن السنوات الخمس الماضية، قبل أن تتفاقم، بحسب روايتهم، الخلافات خلال فترة الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
والأكثر إثارة في الوثيقة، اتهام أصحاب الاستقالة لوكيل اللائحة بإقصاء فرع سيدي بليوط، بمسؤوليه وأعضائه وشبابه، من مرحلة الاستعداد للانتخابات، معتبرين أن هذا الوضع ساهم في تعميق الخلافات داخل الصف الاستقلالي، في الوقت الذي كان يفترض فيه، بحسب تعبيرهم، أن يكون وكيل اللائحة عاملا على توحيد الصفوف وتجميع المناضلين وتقوية حضور الحزب بالمنطقة.
وفي السياق ذاته، توقفت الوثيقة عند النشاط الذي احتضنه المركب الثقافي محمد الزفزافي بالمعاريف يوم 25 غشت 2026، والذي وصفه أصحاب الاستقالة بأنه عرف حضورا جماهيريا باهتا، معتبرين أن ذلك دفع المسؤول الحزبي المكلف بالتنسيق إلى التدخل والدعوة إلى احترام قوانين الحزب والتفاعل مع مكاتب الفروع والهيئات الموازية.
كما أشارت الوثيقة إلى اجتماع عقده وكيل اللائحة مع مكتب فرع الحزب بسيدي بليوط يوم السبت 5 شتنبر 2026، وهو اللقاء الذي اعتبره أصحاب الاستقالة “النقطة التي أفاضت الكأس”، بسبب ما وصفوه بعدم تقديم أجوبة واضحة عن عدد من الإشكالات التنظيمية والسياسية المطروحة، وعدم توفير شروط العمل المشترك المبني على الثقة والجدية والالتزام.
وفي المقابل، استحضر المستقيلون المكانة التاريخية التي كان يحظى بها حزب الاستقلال داخل المدينة القديمة ومقاطعة سيدي بليوط، مشيرين إلى الانتخابات الجماعية لسنتي 2003 و2009، ومعتبرين أن الحزب كان يتوفر على رصيد تنظيمي وانتخابي مهم بالمنطقة، قبل أن يعرف، بحسب روايتهم، تراجعا واضحا خلال السنوات الأخيرة.
ولم تقتصر الانتقادات الواردة في الوثيقة على الجانب التنظيمي، بل امتدت إلى عدد من القضايا الاجتماعية التي تشغل ساكنة المدينة القديمة، وفي مقدمتها ملف إعادة الإسكان المرتبط بمناطق البحيرة وبوسبيري ودرب الطليان ودرب الإنجليز وداخل سور المدينة القديمة.
وفي هذا الصدد، انتقد أصحاب الاستقالة ما نسبوه إلى البرلماني المنتهية ولايته من مواقف بشأن إعادة الإسكان، معتبرين أن مقاربة هذا الملف كانت تستوجب، من وجهة نظرهم، توضيح الرؤية الاجتماعية والسياسية التي يتبناها الحزب تجاه الساكنة المعنية، خصوصا في ظل حساسية الملف وارتباطه المباشر بمصير عدد كبير من الأسر.
ومن جهة أخرى، وجه المستقيلون انتقادات إلى مفتش الحزب، حيث تحدثوا عن تصريحات قالوا إنها تضمنت تحذيرا للمناضلين من مغادرة منازلهم خلال فترة الحملة الانتخابية، كما اتهموه، وفق ما ورد في الوثيقة، بتوجيه تهديدات سابقة بتجميد عضوية عدد من المستشارين وأعضاء المجلس الوطني وطردهم من الحزب، وهو ما اعتبره أصحاب الاستقالة متعارضا مع ما ينبغي أن يسود داخل التنظيم من حوار وتدبير مؤسساتي.
كما أعادت الوثيقة إلى الواجهة واقعة إحضار مفوض قضائي إلى جلسة انتدابية بمقاطعة سيدي بليوط يوم 24 يونيو 2026، معتبرة أن هذه الخطوة زادت من حدة التوتر بين عدد من مناضلي ومسؤولي الحزب بالمنطقة، وطرحت، بحسب أصحاب الاستقالة، أسئلة حول مدى انسجام مثل هذه الممارسات مع النظامين الأساسي والداخلي للحزب والمقررات التنظيمية لقيادته.
وفي تطور أكثر إثارة، تحدث أصحاب الاستقالة عن غياب مخطط عمل واضح لتدبير المرحلة الانتخابية، معتبرين أن اجتماع 5 شتنبر كان يفترض أن يشكل مناسبة لتقديم تصور عملي وشامل لمكاتب الفروع، بدل ما وصفوه بـ”الاستخفاف بالمناضلين”، متحدثين عن عبارات نسبت إلى مسؤولين في الحملة الانتخابية تتعلق بجمع الأشخاص مقابل مبالغ مالية.
وإذ تضمن نص الاستقالة عبارات وانتقادات حادة تجاه ما سماه أصحابها “الكولسة” و”سياسة التفريق”، فإن هذه المعطيات تظل، من الناحية المهنية والقانونية، مواقف صادرة عن أصحاب الاستقالة الجماعية، ولا تشكل في حد ذاتها أحكاما أو وقائع ثابتة، في انتظار رد الأطراف المعنية وتوضيحاتها.
وبالعودة إلى جوهر الأزمة، فإن المستقيلين اعتبروا أن حزب الاستقلال بعمالة أنفا عاش، خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، حالة من الجمود التنظيمي، بسبب التخلي، بحسبهم، عن عدد من الهياكل والخلايا والدوائر الحزبية، فضلا عن تراجع حضور المنظمات الموازية وتغييب عدد من الفروع عن النقاش السياسي والتنظيمي.
وأكد أصحاب الاستقالة أن هذا الوضع أدى، وفق تقديرهم، إلى إضعاف التنظيم الاستقلالي بالمنطقة، وجعل الحزب غير قادر على استثمار رصيده التاريخي واستشراف المرحلة المقبلة بما يتناسب مع مكانته السياسية والانتخابية داخل عمالة أنفا.
كما حملت الوثيقة انتقادات مباشرة لما وصفه أصحابها بغياب البرلماني المنتهية ولايته عن قواعد الحزب وهياكله، وعدم انخراطه بالشكل المطلوب، بحسب روايتهم، في النقاشات المرتبطة بالقضايا المحلية، وعلى رأسها ملف ترحيل وإعادة إسكان ساكنة المدينة القديمة.
وهكذا، لم تعد المسألة مجرد خلاف داخلي عابر بين مناضلين ومسؤولين حزبيين، بل تحولت إلى استقالة جماعية موثقة وموقعة، تأتي في توقيت بالغ الحساسية، وعلى بعد أيام معدودة من موعد الاستحقاقات التشريعية، لتضع القيادة الوطنية لحزب الاستقلال أمام اختبار حقيقي بشأن تدبير الوضع التنظيمي بعمالة أنفا، وقدرتها على احتواء تداعيات هذه الاستقالة والحفاظ على تماسك صفوف الحزب في واحدة من أكثر الدوائر حساسية بالدار البيضاء.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: هل ستتوقف تداعيات الزلزال التنظيمي عند حدود فرع سيدي بليوط، أم أن استقالة هؤلاء المناضلين ستفتح الباب أمام تطورات تنظيمية وسياسية جديدة داخل حزب الاستقلال بعمالة أنفا، خصوصا أن توقيتها يأتي في قلب العد العكسي للاستحقاقات التشريعية؟
وفي انتظار ما ستفرزه الأيام المقبلة، يبقى حق الرد مكفولا للأمين العام للحزب، وللقيادة الإقليمية والمحلية، ولوكيل اللائحة وكل من ورد اسمه أو نسبت إليه مواقف في وثيقة الاستقالة.



