
السفير 24
أعادت تغطيات إعلامية إسبانية حديثة اسم المهدي حيجاوي إلى الواجهة، بعد سنوات طويلة من ابتعاده عن أي موقع وظيفي رسمي، مقدمة إياه باعتباره مصدراً لمعطيات وأسرار مرتبطة بالمغرب. غير أن حجم الوقائع والاتهامات التي باتت بعض هذه المنابر نفسها تربطها باسمه يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تحول حيجاوي من مجرد «مصدر» للحديث عن المغرب إلى ملف إسباني يستدعي التحقق والتحقيق؟
فحيجاوي، الذي غادر موقعه الوظيفي سنة 2010، أصبح في السنوات الأخيرة موضوعاً لاتهامات وادعاءات تتصل بملفات تمس إسبانيا بصورة مباشرة، وفي مقدمتها قضية برنامج التجسس «بيغاسوس»، فضلاً عما ورد في تسجيلات صوتية مسربة بشأن مقتل هشام المنظري فوق الأراضي الإسبانية سنة 2004.
وفي قضية «بيغاسوس»، ربطت وسائل إعلام إسبانية اسم حيجاوي بعملية التجسس المفترضة التي استهدفت هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وقدمت روايات تفيد بامتلاكه معرفة مباشرة بالعملية وبالمعلومات التي يُعتقد أنه تم الوصول إليها خلالها.
وتكتسي هذه المزاعم أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الهدف المفترض للعملية، إذ إن اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية لا يتعلق بواقعة تقنية عابرة، وإنما بقضية ذات أبعاد أمنية وسياسية تمس أعلى مستويات الدولة. وبالتالي، فإن أي شخص تنسب إليه صلة مباشرة بهذا الملف يصبح، وفق الرواية التي تقدمها تلك الوسائل الإعلامية نفسها، موضع اهتمام طبيعي من جانب السلطات القضائية والأمنية الإسبانية.
وتزداد أهمية المسألة مع ما أوردته منابر إسبانية بشأن إقامة حيجاوي داخل إسبانيا وتنقله بين مدريد ومنطقة كاسيريس. فإذا كانت الاتهامات المنسوبة إليه بهذه الخطورة، فإن وجود شخص تربطه هذه الادعاءات بملفات تمس الأمن القومي الإسباني فوق الأراضي الإسبانية يفرض التحقق من حقيقة هذه المعطيات ومن طبيعة وضعه، بدل إبقاء القضية محصورة في دائرة التسريبات والجدل الإعلامي.
ولا يتوقف ملف حيجاوي عند قضية «بيغاسوس»، إذ تضمنت تسجيلات صوتية نشرتها مجموعة «أطلس هاكرز» أقوالاً منسوبة إليه بشأن مقتل هشام المنظري في جنوب إسبانيا في غشت 2004.
وتضع هذه التسجيلات، في حال ثبوت صحتها، معطيات تتصل بواقعة جنائية حدثت داخل الأراضي الإسبانية، وهو ما يجعل مضمونها جديراً بالتحقق من قبل الجهات القضائية والأمنية المختصة. فإذا ثبتت صحة ما ورد فيها، فإن الأمر يتعلق بمعطيات خطيرة مرتبطة بجريمة قتل يفترض أن تخضع للتحقيق، أما إذا تبين أن الأقوال المنسوبة إلى حيجاوي غير صحيحة، فإن ذلك يطرح بدوره أسئلة حول دوافع تقديم روايات بهذه الخطورة ونسب أفعال جنائية بهذا الحجم إلى نفسه أو إلى آخرين.
وفي الحالتين، يصعب التعامل مع هذه التسجيلات باعتبارها مجرد مادة إعلامية عابرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بواقعة قتل حدثت فوق الأراضي الإسبانية وبشخص تشير وسائل إعلام إسبانية إلى أنه يقيم حالياً داخل البلاد.
وتكشف هذه الوضعية عن مفارقة واضحة في طريقة تعامل بعض وسائل الإعلام الإسبانية مع حيجاوي. فعندما يتحدث عن المغرب، يجري تقديمه باعتباره مصدراً استثنائياً يمتلك معلومات حساسة، بينما تتراجع درجة التدقيق في أقواله عندما تتعلق بوقائع تمس إسبانيا وأمنها وقضاءها بصورة مباشرة.
ولا يمكن فصل هذه المفارقة عن مسألة المصداقية، إذ إن منح أقوال حيجاوي قيمة كبيرة عندما تتعلق بالمغرب يفترض، بالمنطق نفسه، التعامل بالجدية ذاتها مع أقواله عندما ترتبط بملفات إسبانية. أما الانتقاء بين روايات الشخص نفسه بحسب الجهة المستهدفة، فيطرح إشكالاً مهنياً واضحاً بشأن المعايير المعتمدة في تقييم المصادر والتحقق من المعلومات.
كما أن تقديم حيجاوي اليوم باعتباره مصدراً لمعلومات راهنة عن المغرب يصطدم بعامل الزمن. فالرجل غادر موقعه الوظيفي سنة 2010، أي قبل أكثر من ستة عشر عاماً، وهي مدة طويلة بالنظر إلى طبيعة العمل الاستخباراتي والأمني، وما يعرفه من تغير مستمر في الهياكل والأشخاص وأساليب العمل والملفات.
ومن ثم، فإن الصفة الوظيفية السابقة لا تكفي وحدها لإضفاء المصداقية على كل ما يقدمه اليوم من روايات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوقائع حديثة تفصل بينها وبين مغادرته موقعه سنوات طويلة، ما لم تكن تلك المعلومات مدعومة بأدلة ومعطيات مستقلة قابلة للتحقق.
وزادت تسريبات «أطلس هاكرز» من تعقيد صورة حيجاوي، بعدما كشفت التسجيلات المتداولة عن طبيعة تواصله مع هشام جيراندو، وفتحت الباب أمام معطيات أخرى تتعلق بشبكة علاقاته والبيئة المحيطة به، بما يجعل التحقق من مصداقية رواياته ضرورة تسبق التعامل معها باعتبارها معلومات جاهزة للنشر.
ويبدو التناقض أكثر وضوحاً عندما تجمع بعض التغطيات الإسبانية بين تقديم حيجاوي باعتباره شخصاً يمتلك معلومات عن عملية تجسس استهدفت رئيس الحكومة الإسبانية، وبين التعامل معه في الوقت ذاته كمجرد مصدر صحفي للحديث عن المغرب. فخطورة الأفعال المنسوبة إليه، إذا صحت، تضعه وفق الرواية التي تقدمها هذه الصحافة نفسها في موقع يتجاوز بكثير دور «المصدر».
وبناء على هذه المعطيات، أصبح ملف حيجاوي شأناً إسبانياً في جانب أساسي منه. فالاتهامات المرتبطة بـ«بيغاسوس» تمس مباشرة الأمن القومي الإسباني، بينما ترتبط أقواله بشأن هشام المنظري بجريمة قتل وقعت فوق الأراضي الإسبانية.
وهو ما يضع القضاء والأجهزة المختصة في إسبانيا أمام مسؤولية التحقق من هذه الوقائع وتحديد حقيقتها وترتيب الآثار القانونية التي تقتضيها، خاصة في ظل الحديث عن استمرار إقامة حيجاوي داخل البلاد.
وفي المقابل، فإن عدم وجود إجراءات قضائية معلنة بشأن هذه الوقائع يضع وسائل الإعلام الإسبانية أمام مسؤوليتها المهنية أيضاً. فإذا كانت المعطيات التي تنشرها عن حيجاوي تبلغ هذه الدرجة من الخطورة، فإنها تستوجب متابعة مسارها القضائي والأمني، وليس الاكتفاء باستحضار الرجل كلما تعلق الأمر بإنتاج روايات عن المغرب.
وبذلك يتحول النقاش من محاولة معرفة ما يحتفظ به موظف سابق غادر موقعه منذ أكثر من عقد ونصف من معلومات عن المغرب، إلى ملف أكثر راهنية يرتبط بإسبانيا نفسها: رجل تقول بعض وسائل إعلامها إنه يقيم فوق أراضيها، وتنسب إليه وقائع تمس أمنها القومي، إلى جانب أقوال مرتبطة بجريمة قتل وقعت داخل حدودها.
وعند هذه النقطة، لم يعد ملف المهدي حيجاوي مجرد قصة صحفية مرتبطة بالمغرب، بل أصبح ملفاً إسبانياً تنتظر الوقائع الخطيرة المرتبطة به أن تنتقل من صفحات الجرائد والتسجيلات المسربة إلى دائرة التحقيق القضائي والأمني، بما يسمح بفصل الحقائق عن الادعاءات، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة لا على أساس التسريبات والروايات الإعلامية.



