كتاب السفيرفي الواجهة

“بنكيران” من أصحاب السوابق

"بنكيران" من أصحاب السوابق

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – نورالدين زاوش

تشاء الأقدار أن تكون أول قصة من المجموعة القصصية: “العذراء والشَّعر الأبيض” للكاتب العبقري “إحسان عبد القدوس” تحت عنوان: “أصحاب السوابق”، والعجيب وأنا أقرأ هذه التحفة الأدبية النادرة، لا يأتي في مخيلتي إلا السيد “بنكيران”، بشحمه ولحمه، وبكل حمقه وكل هرطقاته التي ملأت بِرْكة السياسة الآسنة، وكأن إحسان عبد القدوس قد دخل رأس هذا الرجل، وتجول في دهاليز نفسه الأمارة بالسوء، فوصف حالته النفسية بدقة عجز عنها الطب وعلماء النفس.

تَذْكُر قصة “إحسان” الحوار الشيق والبنّاء الذي دار بين الأستاذ “أحمد عبد اللطيف” وبين صديقه الوزير، حيث قال للوزير: إنك تعلم أني لم أطلب أبدا شيئا منكم.

قاطعه الوزير:

  • ولكنها ليست غلطة أحد، فأنت الذي كنتَ ترفض كل ما يُعرض عليك.. كان يمكن أن تكون الآن وزيرا..

وضحك أحمد قائلا:

  • ربما لأني أَنْبه منك.. فإن كل وزير يصبح بعد قليل وزيرا سابقا.. وأنا أكره أن أحمل لقب “سابق” إنه اقرب إلى لقب “المرحوم”.. هل تذكر أخانا “مختار رِفعت”.. إنه وزير سابق ورئيس وزراء سابق، وهو أيضا رئيس مجلس إدارة سابق، وسكرتير هيأة سابق، إنه يعتبر الآن من أصحاب السوابق.. وهو يعيش فعلا كأصحاب السوابق، حائرٌ في تحقيق مكانه وَصِفته في المجتمع، إني أعرف أن الذي يصاب بلقب “سابق” يصاب بجرح خطير يؤثر في كل تفكيره وفي كل أحاسيسه، إنه بعدها يصبح إما من أكبر المغالين في النفاق والتزلف وفي الاستسلام، وإما أن يصبح من أكبر المتطرفين في المعارضة والنقد.. ولا علاج له إلا أن يعود للوزارة.. والذي يعود لا يعود أبدا كما كان، إنه يعود وهو مجروح وينتظر كل يوم أن يتلقى السهم المسموم من جديد ويصبح “سابقا” مرة أخرى، ولذلك هو يعمل لما بعد خروجه من الوزارة أكثر مما يعمل لمسؤولياته كوزير.. ولست في حاجة لأن أضرب الأمثلة، فهي معروفة..

وأنا أسترسل في قراءة حوار “إحسان عبد القدوس” الشيق، وكأني به لا يصف “المرحوم” بنكيران فحسب؛ بل يحمل الفرشاة ويرسمه عاريا بلا أثواب، ومجردا من المساحيق والأصباغ، وبدقة عالية الجودة ومنقطعة النظير، حتى ظهرت تشققات دماغه المهترئ من وراء جمجمته، وطفت نُتُوءات بطنه التي لم تعد تغرغر؛ فالرجل إذْ لم يستسغ كونُه من “أصحاب السوابق”، فهو يطلق النار على الجميع وفي كل اتجاه، حتى في الاتجاهات التي لا صديق له فيها ولا عدو، والدليل لسانُه الخَرِف الذي لا يفتر عن ذكر مستشاري الملك؛ رغم أنه لا هو من طينة أدبهم وأخلاقهم، ولا من مستوى علمهم وثقافتهم، ولا هو نداًّ لهم في الكفاءة والحصافة، كما أنهم ليسوا منافسين له على كرسيه “السابق”؛ إلا كما تتنافس البركة الآسنة مع عرض المحيط ونقائه.

عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى