كتاب السفيرفي الواجهة

لخصم وحمى الاستحقاقات: بين عوارض الجسد وتحديات المشهد السياسي

لخصم وحمى الاستحقاقات: بين عوارض الجسد وتحديات المشهد السياسي

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – عبد الله مشنون

تتخذ المنافسة السياسية في محطات الاستحقاقات الكبرى أشكالاً متعددة تتراوح بين النقاش البرامجي المؤطر وبين اللجوء إلى دراما الكواليس واستمالة عواطف الناخبين. وفي خضم الصراع المحلي الحاد تطفو على السطح أحياناً أحداث مفاجئة تبدو في ظاهرها مجرد عوارض عادية لكنها تحمل في توقيتها ودلالاتها رسائل سياسية واضحة. وما جرى مؤخراً مع رئيس جماعة إيموزار كندر البطل العالمي السابق مصطفى لخصم وما رافق خبر وعكته الصحية المفاجئة وتسممه حسب ما نشر على منصات التواصل الاجتماعي—يفتح الباب واسعاً أمام قراءة نقدية وموضوعية ترفض السقوط في فخ الترويج المجاني للروايات الجاهزة.

من موقعي كصحفي يتابع نبض الشأن العام ويستسقي معطياته من تقاطعات المهنة وما يروج في أروقة المهتمين والمراقبين لا بد من التأكيد أولاً وقبل كل شيء على أن هذا النقاش لا يستهدف شخص السيد مصطفى لخصم ولا يطعن في حقه المشروع في الترشح والنزول إلى المعترك السياسي كأي مواطن مغربي. فالخلاف أو الاختلاف السياسي لا يبرر الشخصنة. غير أن الواجب الصحفي والأخلاقي يفرض علينا مواكبة ما يروّج في الفضاء الرقمي خصوصاً حين يتطابق نزول تلك الأخبار مع العد التنازلي للمحطات الانتخابية الحاسمة.

حين يُسوق لحدث عارض بمثل هذه الرمزية يصير من حق الرأي العام المحلي والوطني أن يتأمل في سياقاته العامة عبر طرح تساؤلات مفتوحة حول طبيعة الظاهرة دون الجزم بخلفياتها:

أليس ملفتاً أن تبرز مثل هذه الأحداث العارضة لبعض الشخصيات العامة في توقيت سياسي حساس بالذات حيث تكون الأعين كلها متجهة نحو تشكيل التحالفات وإعداد العدة للاستحقاقات القادمة؟

وهنا نطرح تساؤلاً حول مدى حاجة الرأي العام لتدقيق المعطيات الميدانية والمهنية المرتبطة بمثل هذه الأخبار لتفادي أي التباس أو تأويلات متسارعة.

كيف يمكن للخطاب الإعلامي أن يوازن بين نقل الخبر بحيادية وبين حماية المصداقية العامة من الانسياق خلف الهالات الإعلامية العابرة؟

ألم يكن من المفيد دائماً إحاطة هذه الواقعات ببيانات رسمية واضحة تقطع الشك باليقين وتضع الأمور في نصابها الصحيح بعيداً عن التكهنات؟

إن طرحنا لهذه الأسئلة لا ينطلق من سوء ظن بالمعني بالأمر ولا يهدف أبداً إلى الانتقاص من شخصه أو النيل من اعتباره بل يمليه علينا الواجب المهني كمتابعين للشأن العام لتقديم رؤية نقدية وموضوعية للرأي العام ترتكز على إضاءة زوايا الظاهرة وليس محاكمة الأشخاص.

إن تتبعنا للمشهد الانتخابي المغربي يكشف بوضوح أننا لسنا أمام ظاهرة فريدة فكثيراً ما واكبت المواعيد الحاسمة نقاشات واسعة حول ظروف وأزمات صحية وحوادث مفاجئة تحيط بالعمل السياسي. وتهدف القراءات التحليلية عادةً إلى توجيه بوصلة نقاش الناخبين نحو تقييم الحصيلة التدبيرية والبرامج التنموية بدل الاكتفاء بمتابعة العوارض الشخصية. وحين تُطرح البرامج والمشاريع تصبح النقاشات العمومية السبيل الأسهل لكسب الرهان الانتخابي عبر الاحتكام إلى وعي الناخب.

وهنا تتجلى مسرحيات الاستعطاف الانتخابي خاصة في هذه المرحلة المهمة بأقبح صورها مع بدء العد التنازلي للاستحقاقات حيث يتحول الفقر والبؤس إلى ديكور خلفي لحملات تفتقر للحد الأدنى من الأخلاق السياسية. فالجميع يرى اليوم زعماء أحزاب ومرشحين يذرفون دموع التماسيح أمام الكاميرات والتجمعات الخطابية ويتسابقون لتقبيل رؤوس الأرامل والأطفال والتقاط الصور التذكارية بجانب المتضررين من زلزال الحوز أو بائعي الخضروات والباعة المتجولين وأصحاب الكرموص الهندي وحتى مول النعناع وبائع البيض البلدي.

هؤلاء المسؤولون الذين أمعنوا في تهميش القرى المنسية حيث لا تزال الطرق غير معبدة والبيوت طينية تشبه عهود الكهوف يقصدون تلك الدواوير على متن سيارات فارهة مرتدين أزياء فاخرة وأحذية اخر موضا يحيط بهم جيش من المرافقين وبعض عدسات صحفية مرتزقة لا تبحث سوى عمن يدفع أكثر.

وتتجسد عبثية هذا المشهد في أبهى صور الاستخفاف بكرامة المواطنين حين تحط قافلة السلطة رحالها في قرى منسية تماماً كقرية إمنتليت قرب الصويرة؛ قرية غارقة في البؤس والحرمان، بلا ماء شروب ولا بنية تحتية، يعتمد سكانها على صهاريج مياه الأمطار وتربطهم بالعالم طريق متهالكة. فجأة، يهبط وزراء حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش وقياديوه لنصب خيمة عملاقة كأن القرية تستعد لقمة دولية، مستقدمين جمهورهم في أسطول من الحافلات لأن السكان الحقيقيين لا يصلحون للفرجة، ومحملين حتى بعشرات المراحيض المتنقلة. وبعد انتهاء الاستعراض المصور، تُفك الخيام وتغادر الحافلات وترحل المراحيض مع الوزراء، بينما يظل أهل القرية يندبون حظهم متسائلين بمرارة: “واش جاو ينمّيو القرية ولا جاو غير يقضيو حاجتهم عندنا ورجعو؟”.

فهؤلاء الذين تقاسموا مفاتيح التدبير على مدى خمس سنوات ولاية كاملة فأغرقوا المغاربة في مستنقع المعاناة وتركوا وراءهم تركة ثقيلة من الأزمات ليطلوا علينا اليوم بكل جرأة متعهدين بإصلاح ما صنعته أيديهم بالأمس وكأن من أشعل النار عمداً في البيت يعود اليوم ليطالب بتمديد عقده تحت ذريعة اكتشافه المفاجئ لموهبة الإطفاء. وهكذا يتحالفون بالأمس لتقاسم غنائم السلطة وصناعة الفشل ثم يعودون اليوم ليتنافسوا في المزايدات واستجداء الأصوات متناسين أن ذاكرة المواطن المغربي أوقع وأعمق (وعاق بهم بزاف) من أن تخدعها بهارات الحملات الموسمية.

إن تركيزي على حالة مصطفى لخصم ليس تشهيراً بشخصه ولا شماتة في عارضه الصحي بل أدعو له بالشفاء العاجل غير أن ما أرومه هو اتخاذ هذه الواقعة نافذة لنكشف من خلالها عن هذا المشهد العبثي المتكرر لوضع الرأي العام أمام مرآة الواقع حيث تُستغل مآسي المواطنين وضعفهم كأوراق يانصيب سياسية موسمية تنهي صلاحيتها بمجرد حصد الأصوات.

الصحافة الجادة والمسؤولة لا تكتفي بتلقي الأخبار من منصات التواصل الاجتماعي وإعادة تدويرها بل تفكك الرموز وتقرأ ما بين السطور. إن محاولة تحويل وعي الناخب المحلي إلى ورقة يانصيب عاطفية لم تعد تخدع الشارع المغربي الذي أثبت في محطات عديدة نضوجه وقدرته على التمييز بين العمل السياسي الحقيقي المبني على الحكامة وبين المسرحيات الموسمية التي تنتهي صلاحيتها بمجرد إغلاق مكاتب التصويت.

كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى