
السفير 24
في خضم النقاش العمومي الذي تعرفه مدينة برشيد وإقليمها، برز اسم عائلة بادل بشكل لافت، ليس فقط بحكم حضور بعض أفرادها في مواقع المسؤولية المنتخبة، وإنما أيضا بسبب حجم الجدل الذي رافق مواقفهم وتدبيرهم للشأن المحلي، وما رافق ذلك من انتقادات وتصريحات وتأويلات تجاوزت في بعض الأحيان حدود النقد السياسي المشروع، لتتحول إلى أحكام جاهزة ونعوت تستهدف السمعة والنزاهة دون أن تستند بالضرورة إلى معطيات ثابتة أو وقائع موثقة.
ومن باب الإنصاف، فإن “السفير 24” لم تكن يوما من المنابر التي امتنعت عن توجيه النقد لعائلة بادل أو طرح الأسئلة حول طريقة تدبير بعض الملفات.
فقد سبق للجريدة أن تناولت بالنقد عددا من القضايا المرتبطة بتدبير الشأن الجماعي بمدينة برشيد، كما طرحت ملاحظات وأسئلة حول بعض المشاريع والإكراهات التي لا تزال مطروحة، وهو أمر يدخل في صميم الدور المهني للصحافة، التي لا يفترض أن تتحول إلى منصة للتصفيق للمسؤولين، كما لا ينبغي أن تصبح أداة لتصفية الحسابات معهم.
وفي هذا السياق، فإن انتقاد “السفير 24” لطريقة تدبير منال بادل، رئيسة المجلس الجماعي لبرشيد، في بعض الملفات، لا يعني بأي حال من الأحوال إسقاط صفة النزاهة عنها أو التشكيك في نواياها.
فالتدبير الجماعي بطبيعته يظل مجالا مفتوحا للتقييم والمساءلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشاريع تنتظر الساكنة تنزيلها أو بإكراهات ما تزال تعيق عددا من الأوراش. لكن النقد المهني شيء، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى اتهام أو تشويه للسمعة شيء آخر تماما.
والأمر نفسه ينطبق على عثمان بادل، رئيس المجلس الإقليمي لبرشيد، الذي سبق لـ”السفير 24″ أن طرحت بشأنه أسئلة مرتبطة بخياراته السياسية، ولا سيما ما يتعلق بموضوع ترشحه المحتمل بإقليم سطات عوض برشيد. وقد طرحت الجريدة تلك الأسئلة من منطلق حق الرأي العام في فهم الاختيارات السياسية للمنتخبين والشخصيات العمومية، وليس من منطلق إصدار أحكام مسبقة أو استهداف الرجل. فالاختلاف مع قرار سياسي أو التساؤل حوله لا يمكن أن يتحول تلقائيا إلى طعن في الشخص أو في نزاهته.
وبعيدا عن المواقع الانتخابية والسياسية، يبرز اسم عابد بادل، الذي ارتبط لدى عدد من أبناء برشيد بصورة الرجل المنخرط في العمل الخيري والاجتماعي، والذي اعتاد، وفق ما يشهد به متابعون وفعاليات محلية، مساعدة المحتاجين والوقوف إلى جانب الشباب والسعي إلى مساعدتهم في البحث عن فرص الولوج إلى سوق الشغل. وهذه الممارسات، متى ثبتت واستمرت، تستحق أن تذكر كما تذكر أي مواقف أخرى، لأن العمل الصحفي المهني لا يقوم على البحث عن الأخطاء فقط، وإنما يقتضي أيضا الاعتراف بالإيجابيات عندما تكون موجودة.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في انتقاد عائلة بادل، ولا في الدفاع عنها، وإنما في ضرورة وضع النقاش في إطاره الصحيح. فكل من يتولى مسؤولية عمومية يجب أن يكون مستعدا للنقد والمساءلة، وفي المقابل فإن كل من يوجه إليه اتهام أو تشكيك في النزاهة من حقه أن يعامل وفق قاعدة أساسية لا غنى عنها في العمل الصحفي: الوقائع أولا، والأدلة قبل الأحكام، والمسؤولية في نقل المعلومة قبل الإثارة.
لقد اختلفت “السفير 24” مع بعض مواقف أفراد عائلة بادل، وطرحت أسئلة وانتقادات حول تدبير بعض الملفات، وهذا أمر لا نخفيه ولا نحتاج إلى التنصل منه. لكن استقلالية الخط التحريري تعني أيضا ألا تتحول تلك الانتقادات إلى خصومة شخصية، كما تعني ألا يتحول التراجع عن موقف أو إبراز جانب إيجابي إلى محاباة أو تملق.
وفي النهاية، فإن عائلة بادل، مثلها مثل أي عائلة حاضرة في الحياة العامة، يجب أن تقيم من خلال أفعال أفرادها ومسؤولياتهم وقراراتهم، لا من خلال الشائعات ولا التأويلات ولا الحملات التي تقوم على التعميم. فمن أراد انتقاد منال بادل، فليقدم حصيلتها ويحاسبها على تدبيرها؛ ومن أراد مساءلة عثمان بادل، فليناقش خياراته السياسية وتدبيره للمجلس الإقليمي؛ ومن أراد تقييم عابد بادل، فليتحدث عن عمله الاجتماعي وما يقدمه للناس.
أما تحويل الاختلاف السياسي إلى تشهير، وتحويل النقد إلى اتهام، وتحويل الأقاويل إلى “حقائق”، فذلك لا يخدم برشيد ولا ساكنتها، ولا يخدم حتى أولئك الذين يختلفون مع عائلة بادل.
وفي “السفير 24″، تظل القاعدة واضحة: لا حصانة للمسؤول من النقد، ولا إدانة بلا دليل، ولا تبرير بلا وقائع، ولا تشويه باسم الصحافة. فالصحافة الحقيقية لا تقاس بمن تصفق لهم، وإنما بقدرتها على قول ما تراه صحيحا، حتى عندما يتعلق الأمر بمن سبق لها أن انتقدتهم.



