مجتمعفي الواجهة

أوزين في مواجهة الصحافة.. من يحاول جعل الإعلام “حائطا قصيرا”؟

أوزين في مواجهة الصحافة.. من يحاول جعل الإعلام "حائطا قصيرا"؟

le patrice

السفير 24

لم يعد الخلاف بين السياسي محمد أوزين والإعلامي إدريس شحتان مجرد سجال عابر بين فاعل سياسي ومنبر إعلامي، بعدما انتقل النقاش إلى مستوى أكثر حساسية، دخلت فيه الاتهامات والتشهير والحياة الخاصة والتلويح بالمساطر القضائية، وهو ما دفع الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين إلى الخروج ببلاغ شديد اللهجة دفاعا عن رئيسها، معتبرة أن ما صدر عن أوزين تجاوز الخطوط الحمراء.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا يهاجم أوزين إدريس شحتان؟ بل أيضا: ماذا يريد الأمين العام لحزب الحركة الشعبية من هذه المواجهة؟ وهل أصبح الصحافي، في نظر بعض السياسيين، الحلقة الأضعف التي يمكن الضغط عليها كلما لم تعجبهم مادة صحفية أو موقف إعلامي؟

الصحافة ليست “حائطا قصيرا” يا أوزين، وليست مرفقا تابعا للأحزاب، ولا موظفا ينتظر تعليمات السياسيين. الصحافة مهنة لها قواعدها، وأخطاؤها تناقش بالحق في الرد، والتوضيح، والتصحيح، واللجوء إلى القضاء عندما تكون هناك شبهة تستوجب ذلك، لا بتحويل المنابر الإعلامية إلى خصم سياسي ثم شن حملات شخصية عليها.

أما إدريس شحتان، فسواء اتفقنا معه أو اختلفنا مع أسلوبه أو خطه التحريري، فهو صحافي وناشر وزميل في مهنة واحدة. والخلاف معه لا يمنح أي سياسي رخصة مفتوحة للنيل من كرامته أو إقحام أسرته وحياته الخاصة في معركة يفترض أن تظل في حدود النقاش العام. وقد أكدت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين تضامنها معه ودعمها للمساطر القانونية التي قد يسلكها دفاعا عن اعتباره واعتبار أسرته.

وإذا كان لأوزين اعتراض على ما ينشره شحتان أو غيره، فليواجه الحجة بالحجة، والوثيقة بالوثيقة، والمعلومة بالمعلومة. أما تحويل الخلاف إلى حرب شخصية، وإغراق المشهد بخطاب تهديدي من قبيل “ساعتك قربات” إذا ثبت صدور هذه العبارة في السياق المتداول، فذلك يطرح سؤالا أكبر من مجرد خلاف بين شخصين: أي نموذج للعلاقة بين السياسي والصحافي نريد أن نرسخه؟

السياسي الذي يتقلد موقعا قياديا داخل حزب عريق يفترض أن يكون أكثر الناس حرصا على احترام المؤسسات، ومن بينها الإعلام.. فالأحزاب تحتاج إلى الصحافة بقدر ما تحتاج الصحافة إلى حقها في مساءلة الأحزاب.. وعندما يحاول السياسي إسكات الصحافي بالضغط أو التهديد أو كثرة الشكايات، فإنه لا يضعف الصحافي وحده، بل يبعث برسالة مقلقة إلى المجتمع كله مفادها أن ممارسة النقد قد تصبح مكلفة.

والأخطر أن تتحول الشكايات القضائية من وسيلة مشروعة لحماية الحقوق إلى ما يشبه سيفا مسلطا على رقاب الصحافيين.. فالقضاء مؤسسة محترمة، واللجوء إليه حق مكفول للجميع، لكن الفرق كبير بين الاحتكام إلى القضاء وبين استعمال لغة توحي بأن الصحافي يجب أن يخاف من السياسي ومن نفوذه ومن قدرته على تحريك الملفات.

ثم ماذا يريد أوزين بالضبط من هذه المعركة؟ هل يريد إسكات شحتان؟ هل يريد إسكات المنابر التي تنتقده؟ أم يريد إعادة رسم حدود جديدة يصبح فيها السياسي هو من يحدد للصحافة ما الذي يمكن أن يقال وما الذي يجب أن يصمت عنه؟ إن كان هذا هو الرهان، فهو رهان خاسر… 

فالصحافة المغربية ليست شخصا واحدا حتى تتم محاصرته، ولا مؤسسة واحدة حتى يمكن تطويقها.. الصحافة جسد واحد، واختلاف المنابر لا يلغي وحدة المهنة. وقد يكون بين الصحافيين خلافات مهنية وفكرية، لكن عندما يتعلق الأمر بمحاولة تحويل الصحافي إلى هدف بسبب ممارسته لمهنته، فإن التضامن يصبح واجبا مهنيا وأخلاقيا.

ومن حق أوزين أن يدافع عن نفسه، ومن حقه أن يرد على ما يعتبره إساءة أو افتراء، ومن حقه كذلك أن يطرق أبواب القضاء.. لكن من حق الصحافي أيضا أن يسأل، وينتقد، ويحقق، ويكشف، وأن يضع المسؤول العمومي تحت المجهر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية تتولى قيادة حزب وتمارس العمل العام.

وليس من حق أحد أن يطلب من الصحافة أن تنسى الماضي كلما أصبح في موقع سياسي جديد. فملف ما عرف إعلاميا بـ”فضيحة الكراطة” ارتبط خلال تولي أوزين وزارة الشباب والرياضة سنة 2014، وانتهى بإعفائه من مهامه في يناير 2015 على خلفية تداعيات فضيحة ملعب الرباط.

وإذا كان أوزين يطالب الصحافيين اليوم بالدقة والمسؤولية، فذلك حقه، لكن القاعدة نفسها تنطبق عليه: المسؤول السياسي مطالب كذلك بالدقة والمسؤولية في خطابه، لأن الكلمات الصادرة عن أمين عام حزب ليست مجرد منشورات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد آن الأوان لأن يفهم الجميع أن الصحافة ليست خصما سياسيا، وأن الصحافي ليس شخصا يمكن تخويفه بعبارة أو تهديد أو دعوى.. وإذا كان هناك خلاف، فليكن خلافا حول الأفكار والوقائع والملفات، لا حول العائلات والحياة الخاصة والكرامة الشخصية.

أما نحن كصحافيين، فنقولها بوضوح.. نختلف مع إدريس شحتان، ونختلف مع غيره، وننتقده إذا أخطأ، لكننا لن نقبل أن يتحول الصحافي إلى الحلقة الأضعف في معادلة سياسية.. شحتان زميل لنا، والاختلاف معه لا يسقط عنه حقه في الاحترام، كما أن انتقاد أوزين لا يسقط عنه حقه في الرد.

فالسياسي يرحل، والحزب يتغير، والقيادات تتبدل، لكن حرية الصحافة تظل قضية مجتمع بأكمله.

ومن أراد مواجهة الصحافة، فليواجهها بالكلمة والحجة والدليل… لا بالتهديد.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى