
السفير 24 – بقلم: مولاي إدريس الحيمر
انتهت الانتخابات التشريعية، وبدأت مرحلة تستدعي قراءة هادئة لنتائجها، بعيداً عن خطابات الحملة ووعودها. فالانتخابات لا تُقاس فقط بعدد الأصوات والمقاعد، بل بما تكشفه من تحولات في علاقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة، ومن اتجاهات سياسية واجتماعية ستؤثر في المرحلة المقبلة.
أظهرت الحملة الانتخابية أن جزءاً كبيراً من الخطاب ظل مرتبطاً بمطالب محلية ويومية، مثل الطرق والإنارة والنظافة والنقل والخدمات الأساسية. ورغم مشروعية هذه المطالب، فإن حضورها المكثف في انتخابات تشريعية يكشف استمرار الخلط بين اختصاصات البرلمان وأدوار الجماعات الترابية. فالمؤسسة التشريعية لا تتولى أساساً تنفيذ المشاريع المحلية، بل تضطلع بالتشريع، ومراقبة الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، والمساهمة في صياغة الاختيارات الوطنية الكبرى.
ومن ثم، ينبغي أن يُقاس نجاح الأحزاب والمنتخبين بقدرتهم على الانتقال من الوعود المحلية إلى الالتزام البرلماني، عبر مناقشة القوانين، ومساءلة الحكومة، وتقييم البرامج العمومية، والدفاع عن القضايا الوطنية والمحلية ضمن الدستور والقانون. فالفوز بمقعد لا يعني تمثيل دائرة انتخابية ونقل مطالبها فقط، بل يفرض أداءً تشريعياً ورقابياً فعلياً، يجعل البرلماني صلة وصل بين المواطنين والمؤسسات، لا مجرد وسيط لتدبير المطالب الفردية.
كما تضع النتائج الأحزاب أمام مسؤولية مراجعة خطابها السياسي، وتوضيح ما سيقدمه النواب داخل البرلمان، والقوانين التي سيدافعون عنها، والسياسات التي سيعملون على تطويرها، وآليات مراقبة تنفيذ الحكومة لالتزاماتها. فالناخب لم يعد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مناسبة لتجديد النخب فحسب، بل باعتبارها وسيلة لتحديد اتجاه المرحلة السياسية المقبلة. لذلك، تظل الأحزاب مطالبة بتقديم حصيلة واضحة، والوفاء بالتزاماتها، وتعزيز التواصل مع المواطنين بعد انتهاء الاقتراع.
وتعد مشاركة الناخبين مؤشراً أساسياً لفهم النتائج. فارتفاعها قد يعكس تجدد الثقة في العمل العام وجدوى التصويت، بينما قد يكشف ضعفها عن استمرار الشك أو اللامبالاة تجاه الأحزاب والمؤسسات. ولا تنفصل المشاركة عن قدرة البرلمان على تمثيل مختلف الفئات والتأثير في السياسات العمومية. لذلك، فإن تعزيز التمثيلية لا يرتبط بتوزيع المقاعد فقط، بل أيضاً بشمول المشاركة، وحضور الفئات الأقل تمثيلاً، وتحويل الأصوات إلى سياسات تستجيب للتنوع الاجتماعي والمجالي.
وخلاصة القول، إن مسؤولية الأحزاب تبدأ بالوضوح والوفاء بالالتزامات، وبناء برامج قابلة للقياس، وتأطير المواطنين والتواصل.



