
السفير 24
كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن وساطة مغربية ساهمت في إنهاء أزمة استخباراتية ودبلوماسية شائكة بين فرنسا ومالي، بعدما أصدر الرئيس المالي عاصيمي غويتا، الخميس 13 غشت 2026، عفوا عن الضابط في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية (DGSE)، يان كريستيان برنار فيزيلييه، عقب نحو عام من اعتقاله وإدانته بالسجن 20 سنة بتهمة المساس بأمن الدولة.
وجاء قرار العفو بموجب مرسوم رئاسي، تضمن أيضا الإبعاد الفوري للضابط الفرنسي من الأراضي المالية، وفق ما أعلنته حكومة المرحلة الانتقالية في مالي.
ورغم أن البلاغ الرسمي المالي لم يذكر المغرب بالاسم، فإنه أشاد بدور «بلد شقيق» قال إن مساعيه الحميدة، التي جرت بتكتم واحترام كامل لسيادة مالي، ساهمت في التوصل إلى العفو عن الضابط الفرنسي.
وأكدت «لوموند» أن المقصود بهذا البلد هو المغرب، مشيرة، نقلا عن مصدر عسكري مالي، إلى أن الرباط اضطلعت بدور في المفاوضات الرامية إلى إطلاق سراح فيزيلييه، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع كل من باريس وباماكو.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن الوساطة المغربية تأتي في سياق نجاح سابق للرباط في المساهمة في الإفراج عن أربعة عناصر من الاستخبارات الخارجية الفرنسية كانوا محتجزين في بوركينا فاسو، ما يعكس، بحسب المعطيات التي أوردتها، أهمية القنوات التي يحتفظ بها المغرب مع دول منطقة الساحل.
وكان فيزيلييه، البالغ من العمر 45 عاما، قد أوقف في باماكو يوم 14 غشت 2025 من طرف عناصر وكالة الأمن الوطني المالية، على خلفية اتهامات بالمشاركة في محاولة لزعزعة استقرار النظام، إلى جانب عدد من الضباط وكبار المسؤولين العسكريين الماليين الذين اعتقلوا بدورهم.
كما اتهمته السلطات المالية، وفق «لوموند»، بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد، قبل أن تصدر محكمة مالية في 5 يونيو الماضي حكما بسجنه لمدة 20 سنة بتهمة «المساس بأمن الدولة».
وكان الضابط الفرنسي يعمل رسميا بصفة سكرتير ثان في السفارة الفرنسية بباماكو، فيما كان في الوقت نفسه ضابطا في الـDGSE معتمدا لدى السلطات المالية، في إطار تعاون استخباراتي محدود استمر رغم التدهور الكبير الذي شهدته العلاقات بين باريس وباماكو خلال السنوات الأخيرة.
وأشارت «لوموند» إلى أن قضية فيزيلييه ظلت لأشهر محور اتصالات ومفاوضات دبلوماسية، في وقت كانت فيه فرنسا تطالب بالإفراج عنه وتعتبر الاتهامات الموجهة إليه غير مؤسسة.
وفي المقابل، أكدت الحكومة المالية أن العفو لا يلغي الوقائع التي اعتبر القضاء المالي أنها ثبتت خلال المحاكمة، مشددة على أن الإجراءات القضائية تمت، بحسب روايتها، مع احترام حقوق الدفاع ومن دون تدخل، قبل أن يقترن قرار العفو بإبعاد الضابط الفرنسي عن البلاد.
ولم تقتصر التحركات الرامية إلى إيجاد مخرج للملف على المغرب، إذ كشفت الصحيفة أن قطر والإمارات العربية المتحدة حاولتا بدورهما التدخل لدى السلطات المالية، كما أثار الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما القضية مع عاصيمي غويتا في دجنبر 2025، غير أن الرئيس المالي تمسك آنذاك بضرورة استكمال المسطرة القضائية.
وتسلط هذه الوساطة الضوء على الدور الذي بات المغرب يضطلع به في عدد من الملفات الحساسة بمنطقة الساحل، مستفيدا من علاقاته مع فرنسا ومن قنوات التواصل التي تربطه بدول المنطقة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين باريس وعدد من العواصم الساحلية توترات سياسية وأمنية متزايدة.
كما تعزز هذه التطورات موقع الرباط كطرف قادر على التحرك في الملفات ذات الطبيعة الأمنية والاستخباراتية، حيث تتطلب الوساطة قنوات اتصال موثوقة وقدرا كبيرا من التكتم، بعيدا عن المسارات الدبلوماسية التقليدية.
ويأتي نجاح الوساطة المغربية في مالي ليضيف حلقة جديدة إلى تحركات الرباط في منطقة الساحل، خصوصا بعد مساهمتها السابقة في الإفراج عن أربعة عناصر من الاستخبارات الخارجية الفرنسية كانوا محتجزين في بوركينا فاسو.
وبذلك، ينتهي ملف فيزيلييه، الذي ظل لنحو عام من أكثر القضايا حساسية بين فرنسا ومالي، بعفو رئاسي وإبعاد الضابط الفرنسي، وسط إشادة رسمية من باماكو بمساعي «بلد شقيق» ساهم، وفق الرواية المالية، في الوصول إلى هذا الحل مع احترام سيادة البلاد والتزام السرية.



