
السفير 24
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026، تتسع دائرة الجدل داخل حزب الاستقلال حول طريقة تدبير التزكيات، خصوصاً ما يتعلق باللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات، في ظل تنامي أصوات استقلالية تتساءل بصراحة: هل أصبحت الكفاءة والنضال والتجربة الانتدابية كافية للحصول على التزكية، أم أن مفاتيح القرار توجد في مكان آخر؟
السؤال لم يعد هامشيا، بل تحول إلى حديث داخل عدد من التنظيمات والصفوف الاستقلالية، خصوصا بإقليم سطات، الذي يعتبره استقلاليون واحدا من أهم القلاع الانتخابية والتاريخية للحزب.
لكن المفارقة، بحسب أصوات من داخل الحزب، أن هذا الرصيد الانتخابي والنضالي الكبير لا يبدو أنه ينعكس بالقدر نفسه على تمثيلية مناضلات الإقليم في مواقع القرار الانتخابي الجهوي.
إقليم سطات ليس وافدا جديدا على حزب الاستقلال، ولا هو مجرد محطة انتخابية عابرة، بل هو إقليم راكم فيه الحزب حضورا سياسيا وتنظيميا وانتخابيا لعقود، وقدم فيه مناضلون ومناضلات جهودا كبيرة للحفاظ على موقع الحزب داخل المشهد السياسي المحلي.
ومع ذلك، تجد قواعد الحزب نفسها اليوم أمام مفارقة تثير الاستغراب: إقليم يوصف بأنه قلعة استقلالية، بينما تجد مناضلاته صعوبة في الوصول إلى مواقع متقدمة داخل اللائحة الجهوية.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز اسما الأستاذة نادية فظمي، رئيسة المجلس الجماعي لسطات، والمستشارة أية لشهب، المستشارة بجماعة الخزازرة، باعتبارهما من الأسماء التي تتوفر على تجربة سياسية وانتدابية، وتطمحان إلى نيل ثقة الحزب لتمثيل الجهة في الاستحقاق التشريعي المقبل.
وهنا يطرح الاستقلاليون السؤال الأكثر إحراجا: إذا لم تمنح التزكية لمناضلات يتحملن مسؤوليات انتخابية ويشتغلن في الميدان، فلمن ستمنح؟
والانتقادات المتداولة داخل الأوساط الاستقلالية لا تستهدف فقط أسماء بعينها، بل تستهدف بالأساس منهجية صناعة القرار الحزبي.
فعدد من المناضلين يعتبرون أن التزكية ينبغي أن تكون نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل الحزبي، والحضور الميداني، والكفاءة، والقدرة على التواصل مع المواطنين، وليس مجرد مكافأة على القرب من أصحاب القرار.
وتزداد حدة الانتقادات عندما تشعر مناضلات قضين سنوات في العمل الحزبي بأنهن يبدأن السباق الانتخابي من نقطة الصفر، بينما تكون بعض الأسماء، بحسب ما يتردد داخل القواعد، أقرب إلى دوائر القرار وأكثر قدرة على الوصول إلى مواقع التزكية.
وفي هذا السياق، تذهب انتقادات داخلية أبعد من ذلك، إذ تتحدث عن وجود اعتبارات شخصية وعائلية وعلاقات قرب يُعتقد أنها تؤثر أحياناً في صناعة بعض الاختيارات.
لكن هذه الادعاءات، بما فيها ما يروج بشأن علاقات شخصية أو عاطفية لبعض الأسماء، تظل اتهامات متداولة تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل اعتبارها حقائق.
وهنا تحديدا تكمن مسؤولية الحزب: كلما كانت المعايير واضحة وشفافة، كلما سقطت الشائعات من تلقاء نفسها.
والمشكلة التي يشعر بها عدد من استقلاليي سطات تتجاوز مسألة التزكية الحالية، إذ إنها مرتبطة بإحساس متنام بأن المناضل أو المناضلة القادم من إقليم بعيد عن مراكز القرار الحزبي يواجه صعوبة أكبر في إيصال صوته، مهما كان رصيده الانتخابي أو التنظيمي.
فهل أصبحت الجغرافيا السياسية داخل الحزب أكثر أهمية من الجغرافيا الانتخابية؟
وهل يعقل أن يكون الإقليم خزانا انتخابيا مهما للحزب، بينما لا تحظى كفاءاته النسائية بالثقة نفسها التي تحظى بها أسماء أخرى؟
إنها أسئلة لا تحتاج إلى خطابات إنشائية، وإنما إلى قرارات عملية.
والأخطر بالنسبة إلى حزب الاستقلال ليس فقط الجدل حول أسماء المرشحات، وإنما المزاج الداخلي للقواعد.
فالمناضل الذي يشتغل سنوات في الحملات، ويحضر الاجتماعات، ويتحمل أعباء العمل التنظيمي، ويواجه المواطنين في الميدان، قد يجد نفسه في نهاية المطاف أمام سؤال بسيط لكنه مؤلم: ما جدوى النضال إذا لم يكن الاستحقاق هو الطريق إلى المسؤولية؟
هذا الشعور، إذا اتسع، يمكن أن يتحول من تذمر فردي إلى أزمة ثقة بين القاعدة والقيادة.
وسطات، بحكم ثقلها السياسي والانتخابي، ليست إقليما يمكن تجاهل رسائله بسهولة.
ومن منظور سياسي، فإن التزكية الحزبية ليست ملكية شخصية ولا امتيازا يمنح بناء على العلاقات، وإنما هي قرار تنظيمي يفترض أن يخضع لمعايير تخدم مصلحة الحزب والناخبين.
ولهذا فإن القاعدة الاستقلالية تنتظر من قيادة الحزب أن تجيب بوضوح عن مجموعة من الأسئلة: ما هي معايير اختيار مرشحات اللائحة الجهوية؟ هل سيتم اعتماد التجربة الانتدابية؟ هل سيؤخذ بعين الاعتبار الرصيد النضالي داخل الحزب؟ هل سيكون التوازن المجالي حاضراً في القرار؟ وهل ستتم محاسبة الاختيارات بناء على قدرتها على جلب الأصوات وتعزيز صورة الحزب، أم بناء على معيار القرب من مراكز القرار؟
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بالأستاذة نادية فظمي أو المستشارة أية لشهب، ولا بأسماء أخرى قد تكون مطروحة للتزكية، فالقضية أكبر من الأشخاص، إنها قضية معيار.
فإذا كان حزب الاستقلال يريد خوض انتخابات 23 شتنبر 2026 بثقة وقوة، فإن عليه أن يقنع قواعده قبل أن يقنع الناخبين بأن زمن صناعة النخب على أساس الولاءات قد انتهى، وأن الكفاءة والنضال والاستحقاق هي الطريق الطبيعي نحو المؤسسات.
أما إذا ظلت مناضلات الأقاليم، وخصوصا سطات، يشعرن بأن أبواب القرار تفتح أمام أسماء قريبة من المركز وتغلق أمام مناضلات الميدان، فإن السؤال سيظل مطروحا بقوة: هل يريد حزب الاستقلال صناعة نخبة انتخابية جديدة، أم إعادة إنتاج نخبة الولاءات؟
والجواب لن يكون في البيانات الحزبية، وإنما في الأسماء التي ستظهر فعلياً على اللائحة الجهوية للنساء.
عندها فقط ستعرف قواعد سطات، وباقي أقاليم جهة الدار البيضاء-سطات، ما إذا كانت أصواتها وشعارات الاستحقاق والكفاءة قد وصلت فعلا إلى مراكز القرار.



